9ab4369c994bc7c8e41ae456c69263b7

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وآلاه ومن سار على نهجه واتبع هداه، ثم أما بعد،

أولاً: الصلاة فرض على المسلمين فقط، فلا تقبل من المشركين حتى يسلموا

1- قال تعالى في سورة النساء:

” فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)” النساء

– فالله عزَّ وجلَّ بعد بيَّن لرسوله في الأيات السابقة لهذه الأية كيف يُصَلّى بالمؤمنين صلاة الخوف، ثم أمر المؤمنين حال الإطمئنان وأمن الخوف بإقامة الصلاة بالكيفية المشروعة لهم عند الأمن فقال:” فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ”، ثمَّ أنَّه سبحانه وتعالى أضاف إلى ذلك بياناً جديداً يَتَلَخَّصُ كما ذكره أهل الت أنَّه تعالى بَيَّنَ لهم أن هذه الصلاة فرضاً واجباً على المؤمنين فقط، وأنَّها تُؤدى في أوقاتها التي حددَّها لهم، فقال:

“إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا”

النكت والعيون للماوردى(1/325):

[” إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ” فيه تأويلان :

أحدهما : أي فرضاً واجباً ، وهو قول ابن عباس ، والحسن .

والثاني : يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها ، كلما مضى نجم جاء نجم ، وهو قول ابن مسعود ، وزيد بن أسلم.]أ.هـ من النكت والعيون

وفى بحر العلوم للسمرقندى(1/419):

[وقال مقاتل : ” كتابا مَّوْقُوتاً ” يعني فريضة معلومة كقوله تعالى:

 ” ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بإحسان ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” (البقرة : 178)، وغيرها أي فرض عليكم .

وقال الزجاج : ” كتابا مَّوْقُوتاً ” أي مفروضاً موقتاً فرضه.]

2- وقال تعالى في سورة براءة:

” فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)” التوبة

– وقال قبلها فى الأية(5) من نفس السورة:” فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)”

– والأيتان تتحدثان عن توبة المشركين من شركهم، وما يتبع تلك التوبة من الدخول في الإسلام وإلتزام شرائعه، وفى كلاهما لم يتقدم تكليف الله عزَّ وجل للمشركين بشرائع الإسلام والمعبَّر عنها في الأيتين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على توبتهم من الشرك بل كانت التوبة من الشرك أولاً ثم إلتزام شرائع الإسلام وهذا هو وجه الدلالة في الأيتين.

ففي تفسير الطبرى(14/152):

[القول في تأويل قوله : ” فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) “

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إلى طاعته “وأقاموا الصلاة”، المكتوبة، فأدّوها بحدودها “وآتوا الزكاة”، المفروضة أهلَها(أي أعطوها لمن فوَّضه الإمام في جمعها) “فإخوانكم في الدين”، يقول: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به، وهو الإسلام.]أ.هـ من الطبرى

وفى معالم التنزيل للبغوى(4/16):

[” فَإِنْ تَابُوا ” من الشرك، ” وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ ” أي: فهم إخوانكم، ” فِي الدِّينِ ” لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.]أ.هـ من البغوى

– ويؤكد صحة ما نعتقده من أنَّ المشرك لا يخاطب بشرائع الإسلام ومنها الصلاة قبل أن يتوب من شركه أولاً ويدخل في الإسلام، ما جاء في حديث ابن عباس الصحيح الذى رواه البخارى، ففي (فتح البارى 4/482/1308):

1308 – حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ).

– وفى كُلٍّ من الأيات السابقة و الحديث الشريف دليلٌ على أنَّ المشركين لا تقبل منهم فرائض الإسلام وإن أدُّوها قبل التوبة من الشرك والدخول في الإسلام.

– وعلى ذلك فإنَّ الصلاة لا تُطْلَبُ من مشرك قبل إسلامه ولا يُقَرُّ عليها مشرك قبل إسلامه ولا يُعتبر بأنَّها صلاة مقبوله فيُشاركه فيها المسلمون، فضلاً عن كون هذا ناقضاً للبراءة من دينهم، كما سنبينه لاحقاً بإذن الله.

ثانياً: الكيفية التي شرعها الله لأداء الصلاة جماعة أن تكون مع المسلمين لا مع المشركين

قال تعالى:” يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)” البقرة

– ففي الأيات السابقة ذَكَّرَالله عزَّ وجلَّ بنى إسرائيل بنعمه عليهم أولاً.

 – ثمَّ أمرهم بالوفاء بماقطعه عليهم من عهد في التوراة، من الإيمان بما أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، مصدقاً لما معهم فى التوراة، بدلا من أن يكونوا أوَّل من يكفر به.

 – ونهاهم عمَّا يفعلوه من كفر:

ومن ذلك كونهم يشترون بأيات الله عَرَضاً دنيوياً زائلاً من زعامة دينية وغيرها ، ومَّا يفعلوه من تلبيس الحق على الناس بباطلهم ومن ذلك ادِّعائهم أن دين مشركى قريش أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم عندما سُئلوا عن ذلك، ومَّا يفعلوه من كتمان ما يعلمونه من الحق مثل كتمانهم نعته وصفته صلى الله عليه وسلم التي في كتابهم وكتمان نبوته وكتمان عموم رسالته مع علمهم أنَّه بعث للناس كافة.

– و بعد أن أمرهم بالإيمان بما أنزله على نَبِيِّه، ونهاهم عمَّا يفعلوه من كفر لكى يتوبوا من ذلك كله ويدخلوا فى دين الإسلام.

– أمرهم سبحانه أن يخضعوا لشرائع الإسلام فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة،ثم بيَّن لهم الكيفية المشروعة للمسلمين التي تُقام بها الصلاة وهى أنَّها لا تُقام في جماعه إلَّا مع المسلمين.

– ووجه الدلالة هنا في أمرين:

 أوَّلُهما: أن الله لم يأمرهم بإلتزام شرائع الإسلام قبل أن يتوبوا من الكفر القائمين عليه.

وثانيهما: أنَّ الله عزَّ وجلَّ بعد أن أمرهم بإقامتة الصلاة في قوله: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ”، بين كيفية هذه الإقامة مع من تكون؟ فقال:”وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ”.

– فأمرهم أن يقيموها مع الراكعين فقط وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث لم يكن هناك ركوع في صلاة بنى إسرائيل.

– فلم يكن قوله تعالى: “وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” تكرارا منه سبحانه للأمر بإقامة الصلاة مرةً أخرى، بل كان بياناً لكيفية الإقامة المذكورة أولاً وأنَّها تُقام مع المسلمين فقط.

بحر العلوم للسمرقندى(1/47):

(” واركعوا مَعَ الراكعين ” ، أي صلوا مع المصلين ، مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجماعات)أ.هـ من بحر العلوم.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدى(1/13):

(“واركعوا مع الراكعين” وصلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جماعةٍ)أ.هـ من الوجيز.

التفسير الكبير ومفاتيح الغيب للرازى(2/70):

(أما قوله تعالى : ” واركعوا مع الراكعين ” [ البقرة : 43 ] ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة) أ.هـ من التفسير الكبير

مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفى(1/44):

(“وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة” أي صلاة المسلمين وزكاتهم .

“واركعوا مَعَ الراكعين” منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام )أ.هـ من مدارك التنزيل.

لباب التأويل في معانى التنزيل – الخازن( 1/36):

(” واركعوا مع الراكعين ” أي صلوا مع المصلين ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعبر عن الصلاة بالركوع لأنه ركن من أركانها، وهذا خطاب لليهود لأن صلاتهم ليس فيها ركوع، فكأنه قال لهم صلوا صلاة ذات ركوع فلهذا المعنى أعاده بعد قوله وأقيموا الصلاة لأن الأول خطاب الكافة والثاني خطاب قوم مخصوصين وهم اليهود . وفيه حث على إقامة الصلاة في الجماعة فكأنه قال صلوا مع المصلين في الجماعة.)أ.هـ من لباب التأويل.

تفسير القرآن العظيم – لابن كثير( 1/245-246):

“وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ” أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم “وَآتُوا الزَّكَاةَ” أمرهم أن يؤتوا الزكاة، أي: يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم “وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول: كونوا منهم ومعهم.)أ.هـ من ابن كثير.

ثم عاد وذكر في صـ 246 نفس المعنى فقال:

(وقوله تعالى: “وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ” أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.) أ.هـ من ابن كثير

معالم التنزيل للبغوى(1/88):

“وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” أي صلوا مع المصلين: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ” لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين.)أ.هـ من معالم التنزيل

– ومعنى كلام البغوى أنَّ الأول مطلقٌ في حق الكل أي قوله تعالى:” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ” فقد يُظن به أن الله يأمرهم بإقامة الصلاة كما هو مشروعٌ لهم في شريعتهم المنسوخة وفى ذلك إقرار لدينهم على ما كانوا يفعلونه من كفر، ولذلك قال:” وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” وهذه الكيفية من الصلاة لا تكون إلَّا في حق أقوامٍ مخصوصين أي أقيموها مع محمد وأصحابه، حيث لم يكن هناك ركوع في صلاة اليهود.

ثالثاً: أعمال الكفار والمشركين كلها محبطة

– والمقصود بأعمال الكفار والمشركين المحبطة هنا أعمالهم التي تبدو أعمالاً صالحه والتي توافق ما شرعه الله لعباده الموحدين وهم يفعلونها وينتظرون عليها أجراً، وليست أعمالهم الطالحه كأعمالهم التي يعصون الله فيها ويقترفون فيها المحرمات والكبائر والشرك والعياذ بالله، حيث هذه من البديهى أن تكون محبطة.

– أمَّا أعمالهم التي تبدو صالحه كأعمال الخير والبر وغيرها مما شرعه الله من نسك وشعائرلعباده الموحدين، فهم حتى وإن أرادوا بفعلها التقرب إلى الله فسيحبطها بالرغم من ذلك كفرهم وشركهم.

– والخلاصة أنَّ أعمال الكفار والمشركين كلها محبطة الصالح منها والطالح ولا يقبل الله منها شيء، والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم نكتفى بذكرالآتى منها:

قال تعالى: “وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)” المائدة

وقال: “أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)” الكهف

وقال: “مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)” إبراهيم

وقال: “وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)” الأنعام

وقال: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)” الزمر

وقال: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)” النور

– فإذا كانت أعمالهم التي تبدو صالحة محبطة وهى الأعمال التي ظاهرها التعبد لله فكيف يمكن لمن يعلم ذلك أن يعتبر بها أو يقرهم عليها حتى أنَّه يشاركهم فيها وهو على يقين بأنَّها محبطة غير مقبولة، هذه واحده.

– والثانية أن مشاركة المشركين في أعمالهم التي يظنُّون أنَّهم يعبدون الله فيها مع كونهم مشركين لا يعد براءة من دينهم ومن لم يتبرأ من دين المشركين لم يتبرأ من الشرك وأهله، كما سنبيِّنه فيما يلى:

رابعاً: البراءه من المشركين من لوازم ومقتضيات البراءة من الألهة التي يعبدونها من دون الله وهى من معانى لا إله إلَّا الله

– و من أظهر الأدلة على ذلك ، ظهورها كأصل في البراءة من الشرك في ملة إبراهيم الحنيف عليه السلام والذين نحن مأمورون بإتباعها.

– فإبراهيم عليه السلام كان حنيفاً، قال تعالى: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)” النحل، وقال: ” وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)” البقرة

– أي أنَّ مِلَّة إبراهيم عليه السلام كانت هى الملَّةِ الحنيفية، والحنيفية بإيجاز هى الإستقامة على عبادة الله والميل عن الشرك.

– وقد أُمِرَ رسولنا صلى الله عليه وسلم بإتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال له ربه:” ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)” النحل

وقال تعالى:” وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)” النساء

وقال تعالى:” وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)” البقرة، فأوجز تعالى ملة إبراهيم بقوله:” إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” فكانت ملة إبراهيم هي الإسلام ولذلك لمَّا زعم اليهود والنصارى نسبة إبراهيم عليه السلام إلى دينهم المُحرَّف، كان رد الله عليهم قاطعاً بكذبهم في ذلك، بل ومبيناً ضلالهم ومخالفتهم لملته فقال: ” وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)” البقرة

– وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُئِل عن أحب الأديان أوسُئِلَ عن أفضل الإسلام أوسُئِلَ عن أفضل الإيمان، كان له على ذلك كلِّه رداً واحداً هو: الحنيفية السمحه.

كما خرج الإمام أحمد “المسند” (1/ 236)، من طريق ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة و عن ابن عباس قال : (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب على الله ؟ قال : الحنيفية السمحة).

وخرجه الطبراني فى” المعجم الكبير” (11 / 227) ، و “الأوسط ” (1006) ولفظه : (أي الإسلام أفضل ؟ قال : الحنيفية السمحة).

وخرجه البزار في ” مسنده( كشف : / 1 / 58) ولفظه : (أي الإسلام – أو أي الإيمان – أفضل ؟ قال : الحنيفية السمحة).

فتعالوا بنا إذن نتعرف على أصل هذه الحنيفية السمحة:

– أصل ملة إبراهيم وأساس دينه قد بيَّنهُ الله عزَّ وجلَّ في قوله:

“وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)” الزخرف

– فدلَّ ذلك على أنَّ ملَّةِ إبراهيم عليه السلام ودينه هو البراءة من الألهة التي تُعبد من دون الله.

– ثم أنّ الله عزَّ وجلَّ ذكر لنا مرة أخرى في كتابه أنَّ أصل هذه الملة هو البراءة من المشركين ومما يعبدون من دون الله، فقال:

” قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (4)” الممتحنة.

– فدلَّ ذلك أيضاً على أنَّ ملَّةِ إبراهيم عليه السلام ودينه هو البراءة من عُبَّاد تلك الألهة وهم المشركون الذين يعبدونها من دون الله.

– فأصبح واضحاً جلياً أنَّ أصل هذه الملة الحنيفية والذى ظهر فى قول إبراهيم لقومه في آية سورة الزخرف ” إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ”، وظهر أيضاً فى قوله تعالى على لسانه هو والذين معه في أية سورة الممتحنة:” إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ”، فدل ذلك على أن أصل هذه الملة هو البراءة من المشركين والبراءة من الألهة التي يعبدونها من دون الله، أصلها هو البراءة من الألهة التي تعبد من دون الله ومن عابديها وأنَّهما وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزأ ولا يمكن فصلها عن بعضها.

 – وهكذا بيَّن لنا ربنا في كتابه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام الملة التي ارتضاها للناس ديناً إلى يوم القيامة حين قال: “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا”، فشرح لنا فيها كيفية البراءة من الشرك وأن تلك البراءة هي براءةٌ من الألهة والعُبَّاد، فدل ذلك على التلازم والإقتضاء الموجود بين البراءتين فلا يمكن أن تقوم إحداهما بدون الأخرى.

– وملة إبراهيم كما سبق أن بيَّنا هى ملة محمد صلى الله عليه وسلم فهى التي أمره ربُّه بإتباعها فقال في كتابه: ” ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)” النحل

– فضلاً عن أنَّ ملة الأنبياء جميعاً صلوات ربى وسلامه عليهم ودينهم كان ديناً واحداً هو الإسلام، فالله عزَّ وجل بعد أن ذكر في سورة الأنبياء الكثير من قصصهم ودينهم الذى كانوا يدعون إليه صلوات ربى وسلامه عليهم أوجز ملتهم ودينهم بقوله:

” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)” الأنبياء

وقال في نهاية هذه السورة: ” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(92)” الأنبياء، فدل ذلك على أنَّ الأنبياء والرسل كانوا أمَّةٌ واحده في الملة والديانة أجملها سبحانه فى قوله تعالى:”لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ”

هذا بالرغم من أنَّهم كانوا يختلفون فى الشرائع كما ذكره تعالى في سورة المائدة بقوله:” لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً(48)” المائده

– إذن فهم أمة واحده في الدين والملة وأمم شتى في الشرائع، فما يكون أصلاً في ملة إبراهيم عليه السلام يكون أصلاً فى ملة محمد صلى الله عليه وهو بداهة أصلٌ في ملة جميع الأنبياء والرسل صلوات ربى وسلامه عليهم أجمعين.

 وفى صحيح مسلم (12/60/4362):

حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ)

قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :

(الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ).

– فالملة الحنيفية أي ملة الإسلام أصلها الأصيل وركنها الركين هو البراءة من المشركين والألهة التي يعبدونها من دون الله وهما وحدةٌ واحده لا تتجزأ، وقد ربط الله عزَّ وجلَّ بين البراءتين في أكثر من موضع في القرآن الكريم برباط وثيق جعلهما يظهران كوحدة واحده لا تتجزأ.

– فكلاهما لازمٌ لتتحقق البراءة من الشرك، ولذلك تجد أنَّهما إذا ذُكرا معاً فسبقت أيَّا منهما الأخرى فَقُدِّمَت عليها فإن ذلك لا يَخِلُّ بدلالتها معاً على البراءة من الشرك.

– ولذلك تجد أنَّ الله تبارك وتعالى في كثير من الأحيان قَدَّمَ البراءة من المشركين على البراءة من الألهة التي يعبدونها، فقال تعالى على لسان أصحاب الكهف – وكان ذلك على سبيل المدح لدينهم – :

“وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (16)” الكهف

و قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام وهو يدعو قومه إلى دين الحق:

” وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) ” مريم

– ولا غرابة ولا عجب في تقديم البراءة من العُبَّاد على البراءة من الألهة نفسها، فالعُبَّاد هم الذين ألَّهوا تلك الألهة وعبدوها من دون الله ولولاهم ما صارت آلهة تُعبد، فحقيقة هذه الألهة المزعومة أنَّها لا وجود لها بدونهم، ويدل على ذلك أن كثيراً من تلك الألهة عُبَّادُها هم الذين صنعوها ثم تَعَبَّدُوها فهم الذين ألَّهوها بذلك، إمَّا بأن عبَّدُوا لها أنفسهم بعد أن صنعوها، أو أطاعوا أو إتَّبعوا غيرهم في تعبيدهم لها حتى وإن لم يصنعوها.

– وهكذا كان دور العبَّاد أصليَّاً في تأليه الألهة سواء كانوا صنَّاعاً أو أتباعاً أو متبوعين، و سواء كانت تلك الألهة ماديه محسوسة كالأصنام والشجر والحجر والشمس والقمر، أو كانت إعتبارية غير محسوسة مثل ما يعرف الآن بالديموقراطية أو الرأسمالية أو الشيوعية أو الإشتراكية أو العلمانية، وما إلى ذلك.

– والدليل على أنَّ للعُباد دورٌ في صناعة الألهة التي كانت تُعبد من دون الله قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام :

” إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا (17) العنكبوت.

– فقوله تعالى هنا:” وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا “لأنَّ قوم إبراهيم عليه السلام هم الذين كانوا يصنعون الأصنام التي ألَّهوها وعبدوها من دون الله.

– ومما سبق يتضح لكل ذى لب أنَّهُ لا يسعنا ونحن ندَّعى أننا على الملة الحنيفية إلَّا أن نتبرأ من المشركين ومن الألهة التي يعبدونها، فتمام البراءة من الألهة لا يكون ألَّا بالبراءة من عُبَّادِها، فلن تقبل البراءة من أحدهما دون البراءة من الآخر.

والخلاصة:

1- أنَّ البراءه من العُبَّاد والمَعْبُودين هي وحدة واحده لا تتجزأ.

2- أنَّ البراءة من المعبودين لا تصح ولا تقبل إلَّا بالبراءة من العابدين لها حيث هى من مقتضياتها و لوازمها التي لا تنفك عنها بحال.

خامساً: البراءة من المشركين هي البراءة من دينهم أي من عباداتهم

والسؤال الآن إذا كانت البراءة من المشركين بهذه الأهمية في الملة الحنيفية فما هي كيفيتها إذن؟

– فقد يظن البعض أن البراءة من المشركين هي أن يتبرأوا من أي معاملة مشروعة معهم في الدنيا أو أن يتبرأوا من أي رابطة تربطهم بهم سواء كانت بسبب رحم أو نسب ومصاهرة، وهذا خطأ.

– فالبراءة من المشركين لاترفع عن الأباء كونهم أباء ولا عن الأبناء كونهم أبناء ولا عن إخوة الأرحام كونهم إخوة في الرحم ولا عن العشيرة كونها عشيرة، وإنَّما ترفع عنهم كونهم إخوة لنا في الدين ماداموا كفاراً أومشركين فترفع عنهم كل موالاة ومودة في الله ويحل محلها كل بغض وكراهية لأشخاصهم وليس ذلك بسبب الأشخاص نفسها ولكن بسبب دينهم.

-فلم يكن بغضنا وعداوتنا لهم لشىء يتعلق بتلك الأشخاص نفسها، فنحن لم نبغضهم لشىء يتعلق بها كنفورٍ من طباعهم أو عدم إرتياحٍ لأشكالهم أو لسوء معاملاتهم لنا في الدنيا، ولكننا بغضناهم وعاديناهم لأجل دينهم وبسببه، فَلمَّا بَغَضنا وعادينا دين الكفر والشرك الذين هم عليه بَغَضنا وعَادَينا الأشخاص الذين يدينون به تبعاً لذلك، قال تعالى:

“لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (22)” المجادلة

– إذن فالبراءة من المشركين هي في المقام الأول براءة من دينهم.

كيف نتبرأ من المشركين ؟

– ولأنَّ البراءة من المشركين هي براءة من دينهم كما سبق بيانه

كان لابد أن تبدأ هذه البراءة بتجريم دينهم ووصفه بالوصف الشرعى الذى وصفه به الله عزَّ وجلَّ وهو الكفر أوالشرك، (أى تكفيرهم).

والدليل على أنَّ البراءة منهم تبدأ بذلك:

 – ما ذكره تعالى قى كتابه عندما سأل إبراهيم عليه السلام أبيه وقومه عن آلهتهم العاكفين على عبادتها منكراً عليهم ذلك:” مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)الأنبياء

فما كان منهم إلَّا أن قالوا:”وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)”فكان أوَّل ما بادرهم به عليه السلام كما ذكره ربنا على لسانه أن قال لهم:”لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)”

– فَكان أوَّل رد له عليهم تجاه ذلك أن تبرأ من فعلهم بأن كَفَّرهم وكَفَّر آباءهم، فوصفهما بالضلال المبين، وهذه هي بداية البراءة من الكفار والمشركين في ملَّة إبراهيم الحنيفية عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

– ثم بعد تكفيرهم يجب البراءة من دينهم بعد وصفه بالكفر أوالشرك، ذلك لأنَّ أي دين يخالف دين الإسلام لن يقبل من صاحبه لقوله تعالى :” إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19)”آل عمران، وقوله تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)” آل عمران، وسيكون صاحب ذلك الدين في الآخرة من الخاسرين.

– وإذا نظرت في سورة الكافرين تجد أنَّ البراءة من دينهم هي آخر ما أمر الله به نبيه في السورة بعد أن أمره في بدايتها بأن يصفهم بأنَّهم كافرين بقوله:” قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ”فبعد أن وصفهم بالكفر وبيَّن لهم حقيقة دينهم وأنَّهم لم يعبدوا في ذلك الدين من قبل ولا يعبدون فيه الآن ولن يعبدوا فيه يوماً ما الله عزَّ وجلّ الذى يعبده رسوله (والأخيرة لكون المخصوصين بالخطاب هنا كانوا أشخاصاً بعينهم سبق في علم الله أنَّهم لن يؤمنوا).

– ووجه الدلالة أنَّ الله عزَّ وجلَّ أمره في نهاية السورة أن يتبرأ من دينهم وذلك بقوله لهم :” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، فدلَّ ذلك على أنَّ وصف دين الكفار والمشركين بالكفر أوالشرك يلزم منه البراءة من هذا الدين.

– ومعلومٌ أنَّ دين المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه صلة الرحم وإكرام الضيف ونجدة المظلوم، وكل ذلك ممَّا أمر الله به في دين الإسلام ولم يكن ذلك مانعاً من البراءة من دينهم بالكلية.

– ذلك لأنَّ المسلم إذا تناول هذه الأعمال الصالحة إنَّما يتناولها من خلال دين الإسلام وليس من خلال دين المشركين.

– ولا يصح أن يحتج أحدٌ علينا بقوله أنَّ البراءة من دينهم إذن سيدخل فيها ضمناً البراءة ممَّا في هذا الدين من شرائع الإسلام.

– فالبراءة لا تكون من جنس الشرائع نفسها ولكن من الدين الغير مقبول والذى اجتمعت فيه هذه الشرائع مع الشرك، ولذلك فالبراءة تكون براءة من دينهم الغير مقبول عند الله الذى يخالف دين الإسلام وإن اشتمل على الكثير منه، لأنَّه ليس دين الإسلام الذى يقبله الله من عباده، ولذلك قال تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.

– فأيَّا كان هذا الدين الذى يخالف دين الإسلام، وأيَّا كان محتواه فطالما أنَّه ليس دين الإسلام الذى ارتضاه رب العباد لعباده ديناً، فهو دينٌ غير مقبول وصاحبه في خسران مبين، حتى وإن كان هذا الدين ديناً يشبه دين الإسلام في كل شيء إلَّا في إخلاص العبودية لله.

– و صورة البراءة من دينهم بعد الشهادة عليه بالكفر أو الشرك تكون بالبراءة من عباداتهم حيث هذه هي أظهر معالم دينهم والبراءة منها يكون بالشهادة عليها أنَّها عبادة غير مقبوله هذا إذا كانت عبادة مشروعة أصلاً، أضف إلى ذلك الشهادة عليها بأنَّها ليست عبادة بالمرة إذا كانت غير مشروعة، ، والبراءة من عباداتهم الغير مقبولة يكون بعدم إقرارهم عليها و عدم الإعتبار بها والمفاصلة التامة بينها وبين عباداتنا وعدم مشاركتهم فيها.

– والدليل على أنَّ البراءة من دينهم تكون في صورة البراءة من عباداتهم قوله تعالى:

“وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)” يونس

– فقد أمر الله رسوله إذا هم كذَّبوه فيما أرسل به من ربه أن يعلن لهم البراءة التامة والمفاصلة بين دينه ودينهم وكان ذلك في صورة البراءة التامة والمفاصلة بين عمله وعملهم الذى يتعبد كل منهم فيه إلهه، وهذا ظاهرٌ من الأية.

– وهذه البراءة التامة والمفاصلة بين عبادتهم وعبادتنا لا تكون بمشاركتهم فيها بداهة، لأنَّ البراءة منها تقتضى الشهادة عليها عملياً بأنَّهاعبادة غيرمقبوله ومن ثم عدم مشاركتهم فيها.

تفسير الطبرى(15/94):

[القول في تأويل قوله تعالى :” وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)”

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن كذبك ، يا محمد ، هؤلاء المشركون، وردُّوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، فقل لهم: أيها القوم ، لي ديني وعملي ، ولكم دينكم وعملكم، لا يضرني عملكم ، ولا يضركم عملي، وإنما يُجازَى كل عامل بعمله “أنتم بريئون مما أعمل”، لا تُؤْاخذون بجريرته “وأنا برئ مما تعملون”، لا أوخذ بجريرة عملكم.]أ.هـ من الطبرى

– وكذلك قوله تعالى:

“وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) ” الشعراء

– وهنا تجد أن الله تبارك وتعالى أمر رسوله الكريم أن ينذر عشيرته بنبذ الألهة التي يعبدونها من دون الله، ثم إن هم عصوه في ذلك أمره أن يتبرأ من شركهم وكان ذلك في صورة البراءه من أعمالهم التي يتعبَّدون بها آلهتهم.

وفي تفسير الطبرى(19/411):

[يقول تعالى ذكره: فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان، والإشراك بالرحمن، فقل لهم:”إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ” من عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام.]أ.هـ من الطبرى

– فالبراءة من عبادة المشركين الغير مقبولة هي تفصيل للبراءة من دينهم الغير مقبول وتحقيقاً عملياً لها ، فكلا البراءتين لازم للأخرى ومقتضٍ لها، و كلاهما من معانى لا إله إلَّا الله ، وهو أصل دين الإسلام، وهذا ما بيَّنه الله عزَّ وجل لنا في سورة الكافرون، قال تعالى:

” قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)” الكافرون

ففى تفسير الطبرى(24/661):

[القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:” قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)” .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك:”قُلْ” يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة، “يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ” بالله”لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ” من الآلهة والأوثان الآن”وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” الآن”وَلا أَنَا عَابِدٌ” فيما أستقبل “مَا عَبَدْتُمْ” فيما مضى”وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ” فيما تستقبلون أبدا”مَا أَعْبُدُ” أنا الآن، وفيما أستقبل.

وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا ، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا.]أ.هـ من الطبرى

– ومعلومٌ أنَّ البراءة من دين المشركين في قوله تعالى :” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” ليس خاصاً بالبراءة من دين المشركين الذين بُعِثَ فيهم رسول الله بل يشمل كل دين يخالف دين الإسلام في كل زمان ومكان، لعموم قوله تعالى:”وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)”آل عمران

– والآن بعد أن تقرر من كل ما سبق:

 – أنَّ البراءة من الألهة التي تعبد من دون الله لن تتحقق إلّا بالبراءة من المشركين الذين يعبدونها، سواء كانوا مشركين يعبدون تلك الألهة لتقربهم إلى الله زلفى مثل مشركى مكة على عهد رسول الله، أو كانوا مشركين يظنُّون في أنفسهم أنَّهم يعبدون الله وهم يعتقدون أن الله ثالث ثلاثة كما هو الحال في النصارى ، أو كانوا مشركين ينسبون أنفسهم لدين الإسلام ولكنهم يشركون مع الله أنداداً في الحكم والتشريع والطاعة.

– فالبراءة من هؤلاء المشركين جميعاً أيَّا كان نوعهم إنَّما تكون بالبراءة من دينهم وعباداتهم واعتبارها عبادة غير مقبوله لأنَّها جزءٌ من دينٍ غير مقبول وصاحبه في خسران مبين،”وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”، وكل ما سبق وصفه من أديان ليس هو دين الإسلام فسيكون ديناً غير مقبول وصاحبه في خسرانٍ مبين.

– فإذا تقرر ذلك لدينا فهمنا لماذا تكون البراءة من دين المشركين أي من عبادتهم حيث هي أظهر معالم دينهم هى من لوازم ومقتضيات لا إله إلَّا الله، أي من لوازم ومقتضيات أصل دين الإسلام.

– والبراءة من عبادة المشركين تكون بعدم إقرارهم عليها وهم على شركهم حتى يتوبوا من ذلك الشرك، فلا تُطلب منهم ولا يظهر منا ما يدل على إعتبارنا بها كعبادة مقبوله فلا نشاركهم فيها حتى وإن وافقت ما شرعه الله لعباده الموحدين.

– والسؤال الآن وهل تشمل البراءة العبادات التي شرعها الله في دينه لعباده الموحدين ولكنَّ المشركين يفعلونها بل ويظهر منهم أنَّهم يتوجَّهُون بها لله بالرغم من شركهم؟ وماهى كيفية البراءة من عبادتهم في تلك الحالة؟

والإجابة:

– بلى تشمل البراءة تلك العبادات أيضاً التي أصلها عبادات مشروعة للمسلمين حتى وإن توجَّه بها المشركون لله، ولكن البراءة من عبادة المشركين التي لها هذه الصفة إنَّما تكون بعدم إعتبارها عبادة مقبوله لأنها جزء كما سبق أن أشرنا من دينٍ غير مقبول صاحبه في خسران مبين والعياذ بالله.

– فلا يَظنَّ أحد أن البراءة من عبادة المشركين في هذه الحالة تكون بالبراءة من جنس العبادة ذاتها حتى وإن وافقت ما شرعه الله لعبادة الموحدين، وإنَّما تكون البراءة من عبادتهم بالشهادة عليها شهادةٌ جازمة بأنَّها عبادة مردودة عليهم غير مقبولة منهم، والتعامل معها بيقين بناءاً على ذلك، فلا نطلبها منهم ولا نقرهم عليها ولا نشاركهم فيها.

– أمَّا البراءة من العبادة ذاتها فإنَّما تكون لمثل ما كان يفعله المشركون الأوائل حين كانوا يتوجهون بأنواع غير مشروعة من العبادات إلى آلهتهم لتقربهم إلى الله زلفى.

-وعلى ذلك فالقاسم المشترك في البراءة من عبادة المشركين أيَّا كان نوعهم هو الشهادة على تلك العبادة شهادة جازمة بأنَّها عبادة غير مقبوله، فإن كانت في أصلها عبادة غير مشروعه أضفنا إلى تلك الشهادة شهادة أخرى بأنَّها ليست عبادة أصلاً.

وعلى ذلك:

سادسا: فالبراءة من عبادة المشركين يدخل فيها البراءة من العبادات التي شرعها الله لعباده الموحدين وإن توجَّهُوا بها له سبحانه مع بقائهم على شركهم

– وهنا يكون الرد على السؤال:

كيف يتوجه شخص وإن كان مشركاً بعبادة إلى الله وقد شرعها الله لعباده أصلاً ثم يكون لزاماً علينا أن نتبرأ منه فيها فلا نطلبها منه ولانقره عليها ولانعترف له بكونها عبادة مقبوله ولانشاركه فيها؟

فالمتبادر إلى الذهن أن نتبرأ من تلك العبادات التي يتوجَّه بها هؤلاء المشركون لغير الله لا تلك العبادات التي توافق ما شرعه الله ويظهر منهم أنَّهم يتوجَّهون بها لله!!!

– والجواب:

 – أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد قضى وكما ذكرناه مسبقاً بأنَّ كل دين غير دين الإسلام يكون غير مقبولٍ من صاحبه، وعلى ذلك فكل دين غير الدين الذى أنزله الله في كتابه وبيَّنه رسوله هو كذلك، ومن عبد الله بدين غير مقبول فعبادته غير مقبوله وهو في الأخرة من الخاسرين، قال تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”

– و لأنَّ المشركين وإن عبدوا الله بعبادة مشروعة وهم باقون على شركهم، يمتنع أن تُقبل منهم عبادة بل تكون محبطة حتى وإن تظاهروا بأنَّهم يتوجَّهون بها لله، لقوله تعالى:

“وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)” الأنعام، وقوله: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)” الزمر

والخطاب في الأية الأولى للأنبياء والمرسلين والخطاب في الأية الثانية للرسول صلى الله عليه وسلم وللأنبياء والرسل الذين سبقوه، والمقصود به من بُعثوا فيهم حيث هم صلوات ربى وسلانه عليهم قد عصمهم الله من الشرك وقد أجمعت الأمة على ذلك.

– ولقوله تعالى في الحديث القدسى:

(أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

– بل إنَّ إظهارهم التوجه إلى الله وهم يشركون به لهو أكبر شاهد على هذا الشرك ودليل عليه، وذلك لقوله تعالى :

” مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)” التوبة

– فعمارة مساجد الله مثلاً من الأعمال المشروعة في دين الإسلام والتي يفعلها عباد الله تقرباً إلى الله، ولكنها ممتنعة عن المشركين