zadar_interpar_aleksandar_knezevic_sime_strika_opcinski_sud_zlostavljanje_i_mobing_seksualnost_dijana_grancaric_detalja_nema_sudnica_zatvorena_za_javnost_tabfull

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , إنه من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادى له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

” يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ” آل عمران 102

” يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ” النساء 1

” يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ” الأحزاب 70 -71

أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم , وإن شر الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعه , وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة فى النار.

أما بعد فمن الأسئلة الهامة التى تفرض نفسها على الواقع الذى نعيشه الآن أوالمتوقع أن نعيشه فى القريب العاجل :

هل يجوز التحاكم إلى الطاغوت الذى يَدَّعِى أَنَّه يحكم بشرع الله ؟

أو بمعنى آخر :

هل يجوز التحاكم إلى المحاكم الحالية إذاغيرت من قوانينها الوضعية إلى قوانين أخرى وضعها لها النظام الحاكم الجديد وإن كانت هذه القوانين مأخوذه من أحكام الشريعة الإسلامية ؟ Ovom bojom označeno dopuniti u prevodu…

والمقصود هنا أى بالرغم من أن هذه المحاكم ستأخذ ولايتها فى القضاء من ذلك النظام , والذى وإن كان شكله سيبدو ظَاهِرهُ الإسلام , ولكنه خرج من تحت مظلة طاغوتية وقاعدة أساس هى الدستور, والذى مازال عند ذلك النظام وحتى هذه اللحظة هو الإله الإعتبارى الذى يرد إليه الأمر كله , بل وهو المرجعية المتفق عليها عند القوم أبيضهم وأسودهم , أصفرهم وأحمرهم والذى بالطبع لم يتم وضعه منذ نشأته بمستند من الله بل هو البديل الطبيعى للرب كمشرع عندهم وإن لم يذكروا ذلك صراحة .

الطاغوت حاكما وشريعة :

– وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا أولاً أن نفهم من هو الطاغوت الذى يُمْتَنَع على المسلم بل يكفر إذا تحاكم إليه , أى إذا طلب الحكم منه , وذلك هو حكم الله فى ذلك طبقا لما ورد فى الأية 60 من سورة النساء والتى تعد عمدة الأدلة فى نقض إيمان الذى يريد التحاكم إلى الطاغوت بالكلية أى كفره بوضوح , وهذا يكون بمجرد إرادته لفعل ذلك , أمَّا عن الذى يَقدُمُ على التحاكمِ فِعْلًا , فسيكون تنزيل الحكم فى حقّه أولى .

 – فالطاغوت الذى يكفر المسلم إذا طلب الحكم منه ويصير إيمانه مُنْتَقَضًا أى يصبح مجرد زعما لا حقيقة له كما أخبرنا الله عن ذلك بفى قوله تعالى :

 ” ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءآمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكوا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ” النساء 60.

الطاغوت كل شريعة غير شريعة الله:

– هذاالطاغوت يشمل كل شريعة يتحاكم الناس إليها وهى فى نفس الوقت موضوعة بغير مستند من الله , ويشمل كل شريعة طرأ عليها التبديل والتغيير بغير مستند من الله وإن وضعت حين وضعت فى بدايتها بمستند منه عز وجل , كما يشمل أيضا كل شريعة نشأت من تحت عباءة تشريع طاغوتى وإن شابهت شريعة الله تماما .

ذلك لأن الله عز وجل قال : ” ولا يشرك فى حكمه أحدا “

وقال : ” إن الحكم إلا لله أمر ألَّا تعبدوا إلَّا إيَّاه “

وقال : ” إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذَكَّرون” وقال : ” وكَيْفَ تَكْفُرُون وأنْتُمْ تُتُلَى عليكم ءايات الله وفيكم رسوله ومن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَد هُدِىَ إِلَى صِرَاط ٍمُسْتَقِيمٍ ” آل عمران 101

وقال :” أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ “

ثم انظر إلى تفسير ابن كثير للآية الأخيرة :

[ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهى عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ، التى وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] فلا يحكم سواه فى قليل ولا كثير، قال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.]

والطاغوت كلُّ حاكمٍ بتلك الشريعة :

– وكقائم عليها ومنفذ لها يشمل الطاغوت كل من يطغى على الله من الحكام سواء كان طغيانهم هذا فى الحكم , أو فى غيرالحكم , فمن طغى على الله فى أىِّ منهما أى فى الحكم أو غيره لايطلب الحكم منه ولو كان موافقا لحكم الله بتمامه على الظاهر.

 – فكلا مما سبق يعد طاغوتا , فالشخص الذى يطغى على الله ومادة الطغيان كلاهما طاغوتا وهما متلازمان , فمادة الطغيان لا تقوم بنفسها بل تحتاج إلى من يقوم عليها , والشخص الذى يطغى على الله فى الأحكام يحتاج إلى أحكام وقوانين يطبِّقها .

– وعلى الناحية الأخرى وكأمر بديهى فإن الحاكم بشرع الله وشريعة الله بينهما تلازم , انظر إلى قوله تعالى : ” وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ” أى إلى شرع الله المتعبد بالتحاكم إليه ” وإلى الرسول ” لكونه الجهة الممثلة للحكم بما أنزل الله على الأرض فى وقتها لتعلم بداهة هذا التلازم بين الشريعة والشخص الذى يحكم بها.

– فلابد للحاكم من شريعة وقوانين يحكم بها ومن خلالها , ولابد للشريعة والقوانين من حاكم يقوم على تطبيقها .

أولا : الطاغوت حاكما

والطاغوت هو كل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله

وعلى ذلك يكون الطاغوت هو كل شخص أو جهة تطغى على الله سواء كان ذلك الطغيان فى الحكم أو فى غيره

– حيث بمجرد طغاينه على الله فى أى حق من حقوقه الخالصة له سبحانه والتى لا ينبغى لعبد من عباده أن ينازعه فيها يصير طاغوتا , كمن يعبد الناس له بأن يرضى منهم أو يقهرهم على قبول الحكم والتشريع منه , والطاعة المطلقة له , والموالاة والمعاداة فى ذاته ,أو فى إعتباراته المعنوية , ……………إلخ

– ثم هو يذهب و يأطرهم أطراعلى إتباعهم له فى ذلك , أو يقهرهم على طاعتهم إيّاه فيه , أو يرضى بذلك الفعل منهم , أو يرضى بصرفهم ذلك له وإن لم يجبرهم عليه وقد قال تعالى فى مثل هؤلاء ومن عبدهم :

” إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَأَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ” الأنبياء 98، 99

وفى تأويل ذلك قال ابن جرير الطبرى الجزء السابع عشر ص 104 :

[ وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) ما كان من معبود ، كان المشركون يعبدونه والمعبود لله مطيع ( أى المعبود الذى يعبدونه عبدا مطيعا لله وعابدوه بعبادتهم إياه بالله كفّار ، لأن قوله تعالى ذكره ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) ابتداء كلام محقق لأمر كان ينكره قوم ، على نحو الذي ذكرنا في الخبر عن ابن عباس ، فكأن المشركين قالوا لنبىِّ الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) : ما الأمر كما تقول ، لأنا نعبد الملائكة ، ويعبد آخرون المسيح وعُزَيرا ، فقال عزّ وجلّ ردا عليهم قولهم: بل ذلك كذلك ، وليس الذي سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون ، لأنهم غير معنيين بقولنا ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ )] إنتهى من كلام ابن جرير

– وليس من الضرورى لكى يكون الطاغوت طاغوتا أن يفعل ذلك مع كل الحقوق الخالصة لله , بل يكفيه أن يطغى على الله فى حق واحد منها فحسب .

– فالطاغوت يكون طاغوتا إن طغى على الله فى أى حق من حقوقه عز وجل وإن لم يطغ عليه سبحانه فى الحكم – أوإدعى ذلك كذبا – حيث من يطغى على الله فى أى حق من حقوقه فقد طغى عليه فى الحكم ضمنا لأنه تعالى له وحده الأمر كلَّه , وهو الذى ينبغى أن يدبر الأمر- كل الأمر- وحده , وهذا بديهى فهو خالق الكون ولا ينبغى أن يدبر أمر من خلق إلاّ هو , فمن له وحده الخلق ينبغى أن يكون له وحده الأمر, قال تعالى :

 ” إنَّ ربَّكم اللهُ الذى خلق السمواتِ والأرضَ فى ستَّة أيَّام ثم استوى على العرش يدبِّر الأمر ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ” يونس 3 .

 وقال تعالى : ” إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين” الأعراف 54.

وقد فهم هذه البديهية – بديهية أن من له الخلق يكون له الأمر- المشركون الأوائل وإن خالفوا فى مقتضايتها التعبدية

 قال تعالى :

“قل من يرزقكم من السماء والأرض أمَّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلاّ الضلال فانى تصرفون ” يونس 31 , 32 .

ولذلك تجد أنّهم لم يجدالوا جدالا مباشرا فى أن يكون الأمر لله كما يفعل المشركون اليوم , بل كان جِدالُهُم على سبيل المُمَاحكة , مُمَاحكة من يحسُّ أنه على خطأ فى تطبيقه لمقتضياتها , و محاولة للخروج من المأزق الذى وضعهم فيه بداهة هذا التصور للعقل البشرى ووضوحه عند مجابهتهم به , وهو تصور أن من له وحده الخلق ينبغى أن يكون له وحده الأمر, وهذا البديهية ليست واضحة لعقله فحسب بل إنّ عقله ووجدانه مفطوران عليها , ومن هذه المماحكات قولهم كما ذكره الله عز وجل :

” والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زلفى ” الزمر 3

فهم لم يجادلوا فى أنهم لم يُقَدِّموا بما يفعلونه دُرُوبَاً من العبادة لشركائهم , مثل ما يَدَّعِى مُشركوا قومنا اليوم , ولكنهم تعلّلُوا فيها بأنهم وإن أقرُّوا بأن الله وحده هو المعبود الذى له الحق فى تدبير الأمر كله , بعد أن أقرُّوا له بالخلق والرزق والإحياء والإماتة , إلاّ أنهم يتخِّذون من شركاءهم وسائط تقربهم من المعبود الحق وذلك بصرفهم تلك العبادات لهم فكانوا أكثر فهما من مشركى اليوم فى ذلك الصدد , وإن لم تنفعهم حيث لم يأتوا بقتضياتها من إفراد التوجه بالعبادة إلى من له وحده الأمر.

وعلى ذلك :

فالطاغوت هو الحاكم الذى يطغى على الله فى الحكم أو يطغى عليه فى غير الحكم

أمَّا عن الطغيان على الله فى الحكم فعلى أصناف منها:

الصنف الأول

أ- من يطغى على الله فى الحكم بأن يشرع الأحكام من مجرد رأيه وهواه بدون إذن أو مستند من الله.

– وهذا الصنف ممن قال الله فيهم :

” ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ” المائدة 103

– فالرزق بكل أنواعه من أنعام وحرث وغيرذلك وكل ما يرتعون فيه من خيرات , إنما هو رزق من الله وعطاء منه سبحانه وتعالى , وبدلا من أن يتوجهون إليه بشكره على خيراته و نعمه إذا هم يتجرأون على الله فى تلك النعم ذاتها ويخرجون عن أمره فيها , والجرأة على الله فى ذلك واضحة , فمن رزق تلك الخيرات و النعم يحق له وحده الأمر فيها بالتحليل والتحريم دون غيره , وتجد أن الله بيَّن هذه الجرأة فى كتابه وثرب عليهم بأشد ما يكون التثريب والإستنكار فقال :

” قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون ” يونس 55

 وقال : ” قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ” الأعراف 32

– ومن يفعل ذلك منهم يظن أنه يهدى إلى الحق والعدل فى تلك الأموربمجرد رأيه وهواه , ولا يرى المسكين نفسه مخلوقا لا يستطيع أن يهدى نفسه , بل الأحرى أن يهديه خالقه إلى الحق والعدل والصراط المستقيم , حيث الصانع أدرى بصنعته والخالق أعلم بما جبل عليه خلقته وأعلم بما يصلحها وما يفسدها وفى مثل هذا النوع من البشر قال الله تعالى :

” قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحقّ قل الله يهدى للحقّ أفمن يهدى إلى الحقّ أحقّ أن يتبع أمّن لا يهدّى إلّا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ” يونس 34 ، 35

فهؤلاء هم الحكام الذى يحكمون بغير شريعة الله طغيانا على الله وخروجا عن عبوديته , بل راحوا ينازعون الله فى ربوبيته فيرون أن لهم الحق فى سن القوانين والأحكام لعباد الله بغير مستند من الله , وراحوا يعبِّدُون الناس لهم وذلك بقهرهم على التحاكم إليها وقبول ذلك منهم .

والحكم بين عباد الله قد اختص الله به نفسه وقصره عليه سبحانه وجعل ذلك عبادة له وأمر به

فقال : ” إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ” بل وجعله أصل الدين ومدار الملة فقال : ” ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون “

 وقال : ” ولا يشرك فى حكمه أحدا “

– فمن قبل منهم ذلك وتابعهم عليه وطلبه منهم فهو المشرك الذى اتبع شركاءًا لله فى تشريعهم أحكاما لم يأذن بها الله , وهؤلاء الشركاء هم الذين قال الله فيهم :

” أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يَأْذَنْ به الله ” الشورى 21

الصنف الثانى :

ب- من يطغى على الله أيضا فى الحكم وإن حكم بشرع الله على الظاهر ولكنه لم يحكم به تعبدا لله ولا على سبيل الإنقيادا والإذعان لله ورضوخا لأوامره سبحانه , بل حكم به وإن وافق شرع الله بالكلية , لأنه ممى ألفى عليه ءاباءه فهو يفعل كما يفعلون وليس غريبا عليه وهذا حاله أن يغيِّرويبدِّل فيه فى أى وقت فى هذه الأحكام بدون إذن أو مستند من الله

 فهو بذلك يعد طاغوتا وإن حكم بشرع الله على الظاهر , والله عز وجل قال :

” إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذَكَّرون “

 الأعراف 3

وقال : ” وإذا قيل لهم إتَّبِعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبِعُ ما ألفينا عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهُمْ لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون * ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلَّا دعاءً ونداءً صمٌ بكمٌ عُمىٌ فهم لا يعقلون ” البقرة 170 ، 171

و كذلك من طغى على الله وراح يعدل ويغير فى الأحكام بغير سلطان من الله فبعد أن وضعت الأحكام والقوانين فى بلده عند وضعها فى بداية الأمر بمستند من الله , فتطاول على من سبقه العمر وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم , فراحوا يعدِّلون ويغيرون فيها من محض رأيهم وهواهم وبدون مستند من الله , وجاء هو من بعدهم فسار على نهجهم وإن إدّعى أنه ما زال يحكم بما أنزل الله .

والله عز وجل يقول فى هذا ومن هم فى مثله :

 ” أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكَّرون ” الجاثية 23

ويقول :

” وما لكم ألَّا تأكلوا مما ذُكِر اسم الله عليه وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم إلَّا ما ضطررتم إليه وإنَّ كثيرا ليُضلِّون بأهوائهم بغيرعلم إنَّ ربَّك هو أعلمُ بالمعتدين ” الأنعام 119

وأمَّا عن الطغيان على الله فى غيرالحكم :

– بأن يطغى الحاكم على الله فى شىء آخرغير الحكم مما يعد طغيانا عليه سبحانه ويثبت بذلك طغيانه وإن ظلَّ يدَّعى أنَّه يستمد أحكامه من شرع الله

 وهو على ذلك لايزال طاغوتا لم يتب من طاغوتيته , حتى وإن كان على الظاهر يحكم بشرع الله ذلك لأن دين الله كلٌّ لايتجزأ فإما الدخول فيه كله إستسلاما لله وإلَّا الكفر والشرك واتباع خطوات الشيطان بلا شك , أنظر إلى قوله تعالى مرة وهو يخاطب أهل الكتاب بتمام الإستسلام له والإنقياد لدينه :

” إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلَّا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بأيات الله فإن الله سريع الحساب ” آل عمران 19

ثم وهو يخاطب أهل الإيمان بتمام الإستسلام له :

” يأيها الذين ءامنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ” البقرة 208

وكان هذا هو دين إبراهيم الخليل أبو الأنبياء , انظر إلى قوله تعالى :

” إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين ” البقرة 131

لتعلم بذلك أن الإسلام لا يكون إلَّا بتمام الإستسلام لله فى دينه كلِّه جملة وعلى الغيب .

وأهل الكتاب خاطبهم الله فى القرآن بأن قال لهم على لسان رسوله :

” قل يا أهل الكتاب تعالو ا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ” آل عمران 64

وخاطبهم أيضا على لسان رسوله بقوله تعالى :

” قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ” المائدة 68

واليهود عندما خالفوا فى ذلك أى ءامنوا ببعض ماأنزل إليهم فى كتابهم التوراة وكفروا بالبعض الآخر, فضحهم الله فى كتابنا القرآن وتوعدهم بالخزى فى الحياة الدنيا وأشد العذاب يوم القيامة , فقال :

” ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ” البقرة 85

وبالنظر فى أحوال من يفعل ذلك من الحُكَّام تجد أنَّه :

1- يتلاعب فى أحكامه وإن إدّعى أنه يحكم بتلك الأحكام لأنها من شرع لله , يتلاعب فيها بتغيير وتبديل هذه الأحكام ولو كان فى شىء يسير

 – وذلك من مجرد رأيه وهواه بعد أن يستزله الشيطان فيتنصل من عبوديته لله ويصير عبدا للشيطان فبعدأن يُضِلَّهُ يَأْمُرُهُ فيطيعه , انظر إلى قوله تعالى :

” ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام ولأ مرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ” النساء 119

وقوله تعالى :

” وما كان لى عليكم من سلطان إلَّا أن دعوتكم فاستجبتم لى” ابراهيم 22

– أوتحت وطأة الضغوط الداخلية أو الخارجية , التى تدفعه لتغيير شرع الله تدريجيا وهذا التغيير والتبديل بالطبع يكون بغير إذن أومستند من الله .

– وهذه الضغوط التى وقع بسببها فى تبديل وتغيير أحكام الله , قد حذر الله عباده المؤمنين فى كتابه منها فقال :

” يا أيّها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين” آل عمران 100

إلَّا أنه لم يعتصم فى مواجهة هذه الضغوط بالله ولم يتمسك بما بين يديه من كتاب الله وسنة رسوله كمستند يرجع إليهما فى كل ما يطرأ له من تشريعات وأحكام جملة وتفصيلا , فقد أهدى الله إلينا كيفية الخلاص من وطأة تلك الضغوط فقال لنا فى كتابه :

” وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم ” آل عمران 101

 بل سقط تحت نير تلك الضغوط الداخلية من أهل الإرجاف أو الضغوط الخارجية من اهل الكتاب وغيرهم , فراح يغير ويبدل فى أحكام الله بغير مستند من كتاب الله أو سنة رسولة ليوائم متطلبات تلك الضغوط ويتماشى مع أغراضها فوقع فى الكفر والعياذ بالله وصار طاغوتا لأنه يأطرالناس على باطل أحكامه ويشرع لهم فيتبعونه .

2- كما تجد أنه ينكص فى معظم سياساته الداخلية والخارجية فتصبح غير شرعية وعلى سبيل المثال لا الحصر قضية الولاء والبراء فى سياساتة الداخلية فهو لا يعامل من يعيش على أرضه وتحت سلطانه من منظور لا إله إلا الله التى يدّعى رفعها بل من منظور المواطنة والإشتراك فى الجنسيّة , وإن كانت من صاحب دين مخالف يعترف هو قبل غيره بكفر من يعتقده فكان كمن قال الله فيهم :

فضلا عن ترديه فى نفس القضية قضية الولاء والبراء أيضا فى سياستة الخارجية , وأعنى بذلك القضايا العالمية فى المحافل الدولية , وهو بذلك كان كمن قال الله فيهم :

” يأيّها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ” المائدة 51

 وكان مبتناهم فى ذلك ما ذكره تعالى فيمن كان قبلهم ممن هم مثلهم الذين كانوا يبطنون الكفر وهؤلاء قد حذوا حذوهم وانتهجوا نهجهم بتمامه إلّا انهم زادوا عليهم إظهارهم الكفر بعد إبطانه :

” فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة “

ونسى هؤلاء أو تناسوا قول الله تعالى :

” فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمين ” المائدة 52

ثانيا : الطاغوت شريعة

والطاغوت هو القوانين والشرائع التى تخالف حكم الله منذ بداية نشأتها

أوالقوانين التى تم تغييرها أو تعديلها بغير مستند من الله حتى وإن وضعت حين وضعت منذ بدايتها بمستند منه سبحانه

 أو القوانين التى توافق شرع الله ولو كان ذلك بالكلية ولكن من خلال إذن طاغوتى بالتشريع مثل ما يشرّعه من صعد إلى مواقع التشريع من خلال عباءة طاغوتية مثل تلك المسماة بالدستورفكان بالنسبة لهم كافقد الشىء ولكنه قادر على أن يعطيه

وتفصيل ذلك

– أنّها الشريعة التى يتحاكم إليها كل قوم بغير مستند من الله إبتداءا

أى هى الشريعة التى شرعوها حين شرعوها بمجرد رؤياهم وهواهم طغيانا على الله , حيث أنها وضعت بغير مستند منه سبحانه , وأصبحت فيهم شرعا مطاعا ودستورا متبعا يتحاكمون إليه ولا يخالفونه وإن خالف شرع الله بل وإن نقضه بالكلية وهم كمن قال الله فيهم :

” أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ” الشورى 21.

 وهى الشريعة التى طرأ عليها التغيير والتبديل بغير مستند من الله وإن كان مبتناها حين وضعت أنها وضعت بمستند من الله عز وجل وكانت مستمدة من أحكام كتابه وسنة نبيه وهم فى ذلك فعلوا مثل ما فعله اليهود من أهل الكتاب وأخبرنا به الله فى قوله :

” فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ” البقرة 79

وهى الشريعة التى وضعت بمستند من الله ولكن واضعوها وصلوا إلى مجالس التشريع من تحت عباءة طاغوتية , حيث المستند الذى وصلوا من خلاله لكى يشرعوا مستند طاغوتى (الدستور) والذى وضع بغيرإذن أو مستند من الله .

– ولكنهم الآن يرون أنه لا يسعهم وضع أى تشريع بدون إذن من الله ومستند من شريعته , ذلك بعد أن وصلوا إلى مجالس التشريع المذكورة آنفا من خلال ذلك الدستور الذى وضع بغيرإذن من الله أو مستند من شريعته , فادّعوا بذلك الإيمان بما كفروا به من قبل , وهؤلاء نقول لهم كما قال الله لأمثالهم :

” أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض “.

الكفرعند التحاكم هو التحاكم إلى أىّ منهما وإن كان هناك تلازم بينهما:

– فالطاغوت الذى يكفر طالب الحكم إذا تحاكم إليه هو :

كل شخص أوهيئة أو جهة طغت على الله فى الحكم أو فى غير الحكم فهى على أى حال طاغوتا , فليس من اللازم لكى يعد الطاغوت طاغوتا أن يطغى على الله فى كل شىء , بل يكفيه أن يطغى على الله فى شىء واحد مما يعد طغيانا عليه سبحانه .

 وهى كل شريعة أو قوانين مخالفة لشريعة الله وليس مستند تقنينها شرع الله عبودية لله وإنقيادا لحكمه , أو كل شريعة تم التلاعب فيها بتغيير أو تبديل بغير مستند من الله أو كل شريعة نشأت من تحت عباءة طاغوتيه وإن شابهت شرع الله بالكلية , فجميع هذه الشرائع ليست شريعة الله ولا قوانينه وإن وافقتها بالكلية.

– فالكفر لمجرد إرادة طلب الحكم من الطاغوت يتنزل على الفعل بمجرد كونه :

 طلبا للحكم من حاكم يطغى على الله فيه أو فى أى شىء غيره مما يعد طغيانا على الله , وإن كان ظاهره أنه يحكم بشريعته .

 كما يتنزل فى نفس الوقت أيضا على :

 طلب الحكم من شريعة الطاغوت التى وضعت منذ نشأتها بغير مستند من الله .

 أو طلب الحكم من شريعة تم تعديلها وتغييرها بغير مستند من الله , وإن كانت شريعة لله فى أصلها ولكن طرأ عليها التعديل أو التغييرأو الإستبدال .

 أو طلب الحكم من شريعة مطابقة تماما لشرع الله ولكنها نبتت من أصل طاغوتى فهى وإن شابهت بالكلية شريعة الله فهى إفراخ منه .

 وكل طلب للحكم من أى من هؤلاء يعد طلبا للحكم من الطاغوت , فتنبه.

 فإن كان هذا هو الكفر فى طلب الحكم , فما هو الإيمان فيه ؟

والجواب أن الإيمان فيه هو التحاكم إلى شرع الله المنزل على رسوله ومن خلال الرسول نفسه أو من يخلفه على القضاء والفصل بين المسلمين من قضاتهم .

– وهنا يمكننا إعادة صياغة السؤال بكيفية تزيده وضوحا :

 إذا كان الحاكم طاغوتا ولكن من باب آخر غير الحكم , ثم هو يدّعى أنه يحكم بشرع الله فلماذا مثل هذا الحاكم لا يجوز التحاكم إليه ؟

والجواب :

 – إن من يقرويرضخ لربوبية الله عز وجل , لابد له أن ينقاد ويذعن ويستسلم لإلوهيته وعندها يصيرعبد ربانيا يريه الحق حقا والباطل باطلا .

 – وهذه الرؤية ( رؤية الحق حقا والباطل باطلا ) إنما هى رؤية يريها الله لعباده , ولعباده فقط دون غيرهم , وعلى رأس هؤلاء العباد الربانيين رسوله الكريم , أنظر إلى قول الله عز وجل فى معرض بيانه لفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أراه الحق وأنزل بيانه عليه و بصره به ونجاه بذلك من محاولة إضلال المنافقين له فى الحكم فى قضية أبيرق :

” إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ” النساء 105

    – فهذه الرؤيا التى يريها الله لرسوله بالحق الذى فى كتابه إنما تكون لرسوله الذى عبده مخلصا له دينه ولرسوله الذى رضى به ربا وآمن به إلها , وهى تكون أيضا للمؤمنين من ورثته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين , ولا تكون بحال للمتمردين على الرب جل وعلا الخارجين عن عبوديته سبحانه ولو فى أقل القليل من دين الله ولذلك قال الله عز وجل :

   “يأيها الذين ءامنوا اد خلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم”

    – ولذلك فإنك إن أعطيت طاغوتا طغى على الله فى أى شىء يعد طغيانا , أعطيته كتاب الله وطلبت منه أن يحكم بما فيه فقط فى أقضية ما , فلن يوافق حكم الله فى هذه الأقضية أبدا .

    – لأنه فاقد لتلك الرؤيا التى يريها الله لعباده المخلصين , وإلا لما طغى على حق الله فى الحكم سبحانه .

    – ولما طغى على حقه في التشريع لعباده وراح فى يتلاعب فى شريعته بأن وضع فوقها قوانين عامة تعلوها وتؤثر فيها تغييرا وتحريفا بحيث تصبح ليست هى شريعة الله , إذ شريعة الله وأحكامه تعلو ولا يعلى عليها .

   – وهذه الرؤيا وهى رؤية ذلك الكتاب كبرهان من الله ونور مبين , إنما يراها فقط ويهدى إليها الذين ءامنوا بالله واعتصموا به دون غيرهم قال تعالى :

“يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ” النساء 174، 175.

وقال :

 ” قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ” المائدة 15، 16

– ومحاولة الطاغوت وهو مازال على طاغوتيته – لم يقر بها ولم يتب عنها -أن يحكم بشرع الله هى شهادة منه على نفسه بالكفر, فلا ينطلى عليكم ما يدعيه البعض من دور الكفر الذين يدعون أنهم يحكمون بشرع الله وهم ما زالوا على طاغوتيتهم لم يتبرأوا منها.

– فلسان حال من يحكم منهم بأحكام الله , حين يحكم بها بعد أن يتلاعب فيها بتغيير أوتعديل , ولن يوافق أبدا رؤيا الحق فى هذه الأحكام والتى يريها الله لعباده المخلصين , فلسان حاله يقول :

– هأنذا أدعى أنّى أحكم بشرع الله الذى كان مفروضا على وأنا أحكم به أن أكون عبدا مطيعا مخلصا لله فى دينه كله , وليس فى الجزء فقط الذى يتعلق بالأحكام , عبودية له سبحانه فى دينه كله وليس عبودية له فى بعضه ثم أذهب وأطغى عليه فى البعض الآخر, لأن الله تعالى قال فى اليهود عندما فعلوا مثل ذلك :

” أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ” البقرة 85

– وإن كنت أنا حتى فى هذا الجزء أتلاعب فيه , فأذهب لأبدل وأعدّل وأغير فى أحكام الله بغير مستند منه سبحانه فى ذلك , بل تبعا لما يتماشى مع ما يقع على من إعتبارات جاهلية و ضغوط من الداخل والخارج والتى أصبحت تسيطر على كل ما دون العبادات التنسكية عندى فى العصر الحالى .

– وعندما أخلص دينى كله لله ولله فقط , وأعادى وأتبرأ من كل ما يجذبنى جذبا ويشدنى شدا إلى غير دينه أو إلى أن أتلاعب فيه , فإنه سبحانه سيرينى الحق الذى فى كتابه إن تصديت للحكم به.

– ولكن حالى وحقيقة أمرى أننى طغيت عليه سبحانه فإن لم أطغ عليه فى الحكم طغيت عليه فى غيرالحكم فصرت فى جميع الأحوال طاغوتا , وإن إدعيت أنى أحكم بشريعته ما دام حكمى بها ليس من منطلق تمام العبودية له جل وعلا ولا تمام الإستسلام والإنقياد له سبحانه فى الدين كلّه , ولذلك فلا تتعجبوا من جرأتى على الله إن رأيتمونى أعدّل أوأغير فى شريعته بغير مستند منه سبحانه.

– ولا تستغربواعلى ألاّ توافق أحكامى التى أدعى أنى أحكم بها لأنها من شرع الله لا تستغربوا ألّا توافق هذه الأحكام حكم الله فى شريعته على الحقيقة , لأننى لا أرى غضاضة فى أن أضع أحكاماعامة تعلوها وتؤثر عليها حتى تخرجها فى النهاية من كونها من شريعة الله وأحكامه .

– ولأننى حين تصديت للحكم بها إنما كنت صنما أجوفا خاليا من الإيمان به ربا حكما مشرعا وخاليا من إفراده بالعبودية إلها واحدا متفردا بكل صفات الجلال و الكمال فلم يرينى الله فيها الرؤيا التى يريها الله لعباده ولعباده فقط دون غيرهم وعلى رأس هؤلاء العباد الربانيين رسولهم الكريم كما ذكرت مسبقا , فرحت أتلاعب فيها بغير مستند من الله كما فعل اليهود قبل ذلك بشريعة الله فى التوراة , انظروا إلى قوله تعالى :

 “يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا” .

– فلا تلومونى ولوموا أنفسكم فأنا لا أعتقد فى تلك الأحكام التى قد يبدو بعضها لكم أنها أحكام لله فى شريعتى , لا أعتقد فيها كما تعتقدون , فلا أعتقد أنها أحكام تعلو ولا يعلى عليها بإعتبار أن مصدرها الرب الذى له وحده الأمر كما له وحده الخلق , و لا أحكم بها إستسلاما وإنقيادا لأحكامه وإن إدعيت ذلك , وليس أدل على ذلك من أنى أذهب فأغير فيها وأعدل فيها بدون مستند من الله فأين ذهب عقلكم عندما ظننتم أنى أحكم فى بشرع الله ؟ ألا ترون أنى أطغى على الله فى سياساتى مع البشر فى الداخل والخارج وغير ذلك الكثير لو كنتم تعقلون .

– ومن فهم ما سبق فقد فهم قول الله عز وجل قول الله عزوجل :

” ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون ” التوبة 17

– ومن لم يفهم ذلك أو كان فيها أعمى فقد جعل الله على قلبه غشاوة وسيحشر فى الآخرة أعمى ولو كان فى الدنيا بصيرا , انظر إلى قوله تعالى :

” ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الأخرة أعمى وأضل سبيلا ” الإسراء 72