بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه ومن سار على نهجه واتبع هداه ، ثم أما بعد ،

هل يجوز طلب الحكم من كافرٍ أو مشركٍ إن إدَّعى أنَّه سيحكم بشرع الله؟ وما هو الحكم فى ذلك؟

والجواب على الجزء الأوَّل من السؤال هو:

– لايجوز طلب الحكم من كافر أو مشرك حتى وإن إدَّعى أنَّه سيحكم بشرع الله لأن في ذلك مخالفة صريحة للكيفية التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعبادة التحاكم .

– فطلب حكم الله طاعة له وقبولاً لتشريعه عبادة له سبحانه ، وكل عبادة شرعها الله عزَّ وجلَّ قد شرع لها كيفية ، والكيفية التى شرعها الله تبارك وتعالى لتلك العبادة قد ذكرها فى قوله جلَّ وعلا: ” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر(59)” النساء

– فالأية توضِّحُ لنا وببساطة شديدة الكيفية التي شرعها الله سبحانه لعبادة التحاكم فى دينه ، وهى وأن يُردَّ كل نزاع أو إختلاف في أى أمرٍ من أمور الدين أومن أمورالدنيا إلى شرع الله المُنزَل في كتابه وسنة رسوله , طلباً لحكم الله فيه ،على أن يكون ذلك من خلال المؤمنين المهتدين بذلك الشرع ، و لأنَّ الدليل على تلك الكيفية كان من منطوق الأية السابق ذكرها لا من مفهومها ، فإنَّ ذلك يؤكد مدى قطعية دلالتها فى ذلك.

– فالله عزَّ وجلَّ شَرَعَ لنا أنَّ يكون ردُّ أى نزاع إلى كتاب الله وسنة رسول الله عندما قال:” فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ” ، و شَرَعَ لنا أيضاً أن يكون ذلك الرد من خلال من اهتدى بذلك الشرع وآمن به ، عندما قال:” فَرُدُّوهُ”، ذلك لأنَّ التكليف فى الأية من بدايتها موجَّهاً للذين آمنوا بقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” فعلمنا من ذلك أنَّ المكلفين بهذا الأمر وهو رد أى نزاع إلى كتاب الله وسنة رسول الله المذكورين فى قوله تعالى: ” فَرُدُّوهُ” هم المؤمنون فقط وليس غيرهم.

– وتلك الكيفية التى شرعها لنا سبحانه وتعالى لا يمكن تجزئتها ، فلا يأتى أحد ويقول نعم أنا ألتزم برد أى نزاع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ولكن ليس من اللازم أم يكون ذلك من خلال المؤمنين !!

– هذا فضلاً عن أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد بيَّن لنا فى نفس هذه الأية أن من يتولى أمر المؤمنين – ومن تلك الولايات ولاية الحكم عليهم – لابد أن يكون منهم ، ذلك عندما قال:” وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” , فقوله عزَّ وجلَّ :” مِنْكُمْ ” يدل على أنَّه يمتنع على المؤمنين أن يُولُّوا أحداً عليهم من غيرهم بل لابد أن يكون منهم.

– وطلبك الحكم من كافر أو مشرك هو توليةٌ له للحكم عليك ، وتوليتك لكافرٍ أو مشركٍ الحكم عليك سواء كانت توليته الحكم فى ولاية عامة كتوليته الحكم العام فى الدَّار ، أو خاصة كتوليته الحكم عليك فى منازعة بعينها ، فهى فى جميع الأحوال توليةً له ، وقد قطع الله عزَّ وجلَّ الولاية بين الكفار والمؤمنين بقوله:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ(51)” المائدة.

– ووضح أنَّ العلة من عدم إتخاذهم أولياء هى مجرد كفرهم وإن كانوا من أعدل البشر، فيكفى لعدم تولِّيهم كفرهم ، فقال فى هذا الشأن:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (1)” الممتحنة

– وأخبر عن حال مُتولِّيهم وما فى قلبه من مرض فقال:” فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ (52)” المائدة

– ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمنين فى ذلك من الحذرين فقال:”وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)” المائدة

– وقصر ولاية المؤمنين على بعضهم البعض فقال:”وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (71) ” التوبة.

 – وهذا الشق من الكيفية المشروعه للتحاكم فى دين الله والذى يتناول دين الشخص الذى يمكن أن توليه الحكم عليك وإن كان سيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو موضع النزاع مع من خالفنا فيه ، ولذلك فإنَّ معظم أدلتنا بعد ذلك سَتَنْصَبُّ عليه.

– وأهمية هذا الشق من الكيفية المشروعة للتحاكم وخطورته تكمن فى حكم فاعله أى فى حكم من يولِّى كافراً الحكم عليه مهما ذُكِرَ من أسباب أو انْتُحِلَ من علل ، وهى فى نفس الوقت الإجابة عن الجزء الثانى من السؤال الأساسى موضوع البحث وهو قول السائل: وما هو الحكم فى ذلك؟

– حيث أنَّ أى مخالفة للكيفية التى شرعها الله للتحاكم فى دينه ، سواء كان ذلك بالتحاكم إلى غير شرع الله المنزَّل في كتابه وسنة رسوله , أو كان بطلب حكم الله من غير من اهتدى بشرع الله وآمن به كالتحاكم إلى الكفار والمشركين مثلاً ، أىِّ مخالفةٍ فيهما ستكون كفرا والعياذ بالله.

– فإن قال قائلٌ ولماذا هذا؟ وما هى الأدلة على ذلك؟

كان الجواب:

– ذلك لأنَّ التحاكم إلى غير شرع الله يُعدُّ إلتماساً للهدى والحق في غير ما أنزله الله ، وإلتماس الهدى والحق في غيرما أنزله سبحانه كفر، والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحْصَى وسنتعرض فى هذا البحث لبعضها فليس هذا موضع بسطها.

– والتحاكم إلى من لم يهتد بشرع الله من الكفار والمشركين يُعدُّ طلباً لما أنزله الله من الهدى والحق ممن لا يراه حقا ولم يهتد به ، وطلب ذلك منه وهوعلى حالته التي ذكرناها :

هو استهزاءٌ منك بما تطلبه من الهدى والحق لأنَّك فى الحقيقة تطلب أن يهديك بأمر الله فى فروع دينه من لم يهتد بأصل هذا الدين.

وهو تولية للكافر أو المشرك الحكم عليك طواعية وقد قطع الله الولاية بينكما ، وكلاهما كفر.

والأن نبدأ فى الردِّ التَّفْصِيلِّى بذكر ما يدل على أنَّ طلب حكم الله الذى فى كتابه وسنة رسوله لا يكون إلَا من خلال المؤمنين المهتدين بها العالمين بأحكامها:

أولاً: قوله تعالى:”فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)” النساء

– فالأية تدل على أنَّ الكيفية التى شرعها الله للتحاكمُ تكون برد أى أمرعند التنازع والإختلاف سواء كان ذلك في مسألةٍ شرعية أو خصومة دنيوية ، وذلك لقوله تعالى:” فِي شَيْءٍ”، ردُّه إلى ما أنزله الله فيها من أحكام في كتابه أوإلى ما أنزله الله من بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لتلك الأحكام قولاً وفعلاً ، أى سنته القولية والفعلية ، وذلك لقوله تعالى:” فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ”.

– على أن يكون ذلك الرد من خلال من إهتدى وآمن بذلك الشرع ابتداءاً وعلم أحكامه لقوله تعالى :” فَرُدٌّوهُ”، والمقصود به أولى الأمر من المؤمنين ذلك لأنَّ الخطاب منذ البداية كان موجَّها للذين آمنوا ، فقد افتتح الله عزَّوجلَّ الأية بقوله : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” فلابد أن يكون كل أمر بعده عائداً عليهم خاصاً بهم كالأمر فى قوله تعالى:” أطيعوا” وفى قوله تعالى:” فَرُدٌّوهُ”.

– فإذا كان الذين أمنوا هم المَعْنِيُّون بذلك الرد في قوله تعالى: “فَرُدٌّوهُ” ، فإنَّ ذلك يدل على أنَّهم فقط هم الذين يقومون برد أىِّ نزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله وليس غيرهم من الكفار أو المشركين ، وهذا بيِّن.

– ويدخل في ذلك الخطاب كل مؤمنٍ مهتدٍ بما أنزله الله عالمٍ بأحكامه ، وأوَّلُهم بداهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم من يلى أمر ذلك من المؤمنين بعده في كل زمانٍ ومكان.

– فكان قوله تعالى:” فَرُدُّوهُ” دليلاً واضحاً على أن الله قصر ذلك الرد على المؤمنين ، فلم يقل عزَّ وجلَّ إن شاء (فَلِيُرَد) ليدخل بذلك في ردِّ النزاع إلى كتابه وسنة رسوله المؤمنين وغير المؤمنين ، فتنبه.

– فإن قال قائل: لو كان ذلك الأمر كما تزعم لكان ردُّ النزاع يقوم به كلُّ المؤمنين فلم قصرته أنت على أولى الأمر منهم وليس جميعهم ؟

– والجواب : أولاً، لا يلزم من قوله تعالى:” فَرُدُّوهُ” كأمرٍ للذين آمنوا ، أن الذى سيقوم بذلك جميعهم ، بل يقوم به القائمون على أمرهم وهم أولوا الأمر منهم.

– ذلك لأن الأمر بذلك الرد هو تكليف لعموم المؤمنين والمقصود به أن يُولَّوا من يقوم بذلك الأمر منهم بتولية الأئمة والحكام من بينهم ، ولذلك فهم جميعاً يأثمون إذا لم يوَلُّوا من يقوم بذلك ، وفروض الكفاية فى الإسلام مبنيَّةٌ على ذلك .

– فليس جميع المؤمنين هم الذين يتولَّون أمور المؤمنين ومنها الحكم فيهم بما أنزله الله ، وإلَّا لكان تكليف المؤمنين بطاعة أولى الأمر منهم فى قوله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” يعنى أن جميع المؤمنين تجب عليهم طاعة جميع المؤمنين وهذا ليس له معنى ، ولابد من تنزيه كلام الله عزّوجلَّ من قصد ذلك.

– ولكن الأمر فى قوله تعالى: ” فَرُدُّوهُ” يُخاطبُ به عموم المؤمنين والمقصود به أولى الأمر منهم ، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن الكريم ، ومنه قوله تعالى:

” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)المائدة ، وقوله تعالى:” الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (2) النور

– فالمخاطب بالتكليف فى الأيتين السابقتين عموم المؤمنين والمقصود به أولى الأمر منهم وهذه هى فروض الكفاية ، فليس المراد من قوله تعالى:” فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا” أو من قوله تعالى:” فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ” أن الذى سيقوم بالقطع أو بالجلد هو كلُّ المؤمنين بل أولى الأمر منهم وهذا بيِّن.

– وهذا بخلاف التكليف المخاطب به عموم المؤمنين والمقصود به أعيانهم كما في قوله تعالى فى نفس الأية مثلاً : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” فهى من فروض الأعيان التي تلزم جميع المؤمنين , فيلزمهم جميعاً طاعة الله عزَّ وجلَّ طاعة مطلقة ، وطاعة رسوله فيما يبلغه عن ربه طاعة مطلقة أيضاً ، وطاعة أولى الأمر منهم ما أطاعوا الله ورسوله.

– جاءفى تفسير النيسابورى(3/16) عند تفسير قوله تعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول”

[ فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله ، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول ، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم ، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.]أ.هـ من النيسابورى

– وكان التكليف من الله للمؤمنين إن وقع نزاع أو اختلاف بينهم وبين بعضهم ، لقوله تعالى فى الأية (59)من سورة النساء: “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ” وكان الخطاب من البداية للمؤمنين ، أو بين المؤمنين وغيرهم ، لقوله تعالى فى الأية التالية لها من نفس السورة:” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ(60)” وكانت المنازعة كما ورد فى أسباب النزول بين منافق ولذلك قال تعالى فى وصف زعم المنافق :” يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ” ، ويهودى ولذلك قال تعالى فى وصف زعم اليهودى :” وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ” فكان التكليف أن يَرُدَّ ولاة أمور المؤمنين هذا النزاع إلى كتاب الله وسنة رسول الله لإستخراج الحكم منهما.

– والعلَّةٍ فى قصر ذلك عليهم أنَّ ولاة الأمور هؤلاء بالنسبة للمؤمنين يمثلون فيهم من لديهم العلم والقدرة على استنباط الأحكام من مصادرها المعتبرة شرعاً ، كما أنَّ لديهم القدرة على تنفيذ تلك الأحكام .

– ولنفس هذه العلَّةِ ثرَّب الله تبارك وتعالى على المؤمنين عدم تَّرَوِّيهم وتسرعهم فى إفشاء أي أمر طارئ يحدث للجماعة المؤمنة قبل أن يَردُّوه إلى رسول الله أو إلى من ولَّاه الرسول أمر المؤمنين فى ذلك الشأن ، وعند ذلك سيعلمون منهم كنه هذا الأمر وحقيقته بعد أن يستخرجوه من شواهده ، فقال تعالى: “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (83)” النساء.

– فصرَّح الله عزَّ وجلَّ فى تلك الأية أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ولَّاه من أمر المؤمنين شيئاً ، هم أعلم المؤمنين بهذا الأمر، وهم من لديهم القدرة والمعرفة أن يعلموا كنه أى أمرٍ طارئٍ أو مستجدٍ ويقفوا على حقيقتة بإستخراجه من شواهده.

– والخلاصة فى ذلك:

أن أولى الأمر من المؤمنين هم المعنيُّون برد المنازعات إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس غيرهم بلا خلاف.

– ولأجل هذا الدليل السابق وغيره من الأدلة التي سنوردها فيما ظهر واضحاً جلياً:

 أنَّ التحاكم إلى ما أنزل الله لا يكون إلّا من خلال حاكمٍ أو قاضٍ أو عالمٍ مسلم حيث جميع هؤلاء قد اجتمع فيهم :

أنَّهم اهتدوا بشرع الله ، وعلموا أحكامه.

– فهذان هما الشرطان اللازم توافرهما في الشخص الذى يمكن للمؤمنين التحاكم إلى ما أنزل الله من خلاله.

– وعلى ذلك :

فالكيفية المشروعة للتحاكمَ في دين الله لها شقَّان هما:

1- الشريعة المُتحاكم إليها

2- والشخص الذى يحكم بتلك الشريعة

– ولكلٍ شقِّ منهما شروطه التي قررها الله في دينه القويم :

فالشريعة المتحاكم إليها لا تكون إلَّا شرع الله ، والشخص المُتحاكم إلى شرع الله من خلاله لا يكون إلَّا من اهتدى بذلك الشرع فآمن به وهو عالمٌ بأحكامه.

– فتكون الكيفية المشروعة للتحاكم بِأن يُرَدّ النزاع أوالإختلاف في أي مسألة شرعية أو منازعة دنيوية إلى ما أنزله الله فيها فى كتابه أوبيان رسوله لها قولاً أو فعلاً ، ومن خلال من اهتدى بما أنزله الله فأسلم لله وكان من العالمين بما أنزله الله من الأحكام.

أولاً : الشريعة المتحاكمُ إليها

– فالشريعة المتحاكم إليها فى دين الله عند النزاع أو الإختلاف في أي شىء منذ أن بعث الله الرسل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هي أحكام الله المُنزَّلة في كتبه وبيَان رسله لها .

– بل إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد صرَّح بأنَّه ما أنزل كتبه إلَّا من أجل ذلك فقال:

“كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (213)البقرة

– وقوله تعالى” وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ” يدل دلالة واضحة على أنَّ الكتاب نقلاً وبياناً وحكماً بما فيه قد ربطٌه الله عزَّ وجلَّ بمن أنزله عليهم ، وهم رسله الذين اهتدوا به وعلموا ما فيه من أحكام ، ولهذا قال تعالى:” وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ” فى هذا الموضع ولم يقل إن شاء (وأنزل عليهم).

– ثمَّ أنَّ تلك المعيَّةِ بما تشمله من نقلٍ وبيانٍ وحكمٍ تأكَّدت عندما قال تعالى :” لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ” ، حيث أنَّ الله عزَّ وجل لن يتجلَّلى للبشر في الحياة الدنيا ليحكم بينهم وإنَّما الذى سيتولَّى ذلك فيهم هم رسل الله الذين أنزل معهم الكتاب وفيه أحكامه.

– وقوله تعالى : ” وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ” فيه دلالة أيضاً على الشريعة المتحاكم إليها ، فارتباط الكتاب بمن أنزله معهم من الرسل يدلُّ على أنَّ الشريعة المُتحاكم إليها في دين الله في كل زمانٍ ومكان كانت دائماً ما أوحاه الله إلى رسله من الكتب وما أوحاه لهم من بيانٍ لها ، فكان كلا الوحيين دائما يمثلان تلك الشريعة التي يمكن التحاكم إليها عند الإختلاف ، وهذا هو عين ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله:” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(59)” النساء

جاء فى بحر العلوم للسمرقندى(1/394) في تفسيره لقوله تعالى:” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ”

[قوله :” فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء” من الحلال والحرام والشرائع “فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول” يعني إلى أمر الله فيما يأمر بالوحي ، وإلى أمر الرسول فيما يخبرعن الوحي ، ثم بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما انقطع الوحي يرد إلى كتاب الله تعالى ، وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام.]أ.هـ من بحر العلوم

– فشريعة الله التي يمكن أن يتحاكم إليها المؤمنون الآن هي أحكام الله التي أنزلها في القرآن وبيان رسوله لهذه الأحكام قولاً أو فعلاً ، فيدخل بذلك في شريعة الله سنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية.

– فالقرآن هو آخر كتب الله التي أنزلها تبارك وتعالى ، ولذلك فإنَّ أحكامُ الكتابِ المعتبرةِ الآن هي أحكامُ القرآن ، فهو فضلاً عن كونه آخر الكتب التي أنزلها سبحانه ، فإنَّه قد أنزله مصدقا لما في كتبه السابقة قبل أن يُحرِّفها أهلها ، فلم يكن غريباً أن يكون مهيمناً عليها ، قال تعالى :

“وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (48)” المائدة

– والقرآن هو المهيمن على كتب الله السابقة له بمعنى أنَّه أميناً عليها وشاهداًعلى ما فيها وقاضيا عليه بالصدق أو التحريف ، أي حاكماً على ما في الكتب التى بين يدى أهل الكتاب الآن ما الذى يمكن أن يكون فيها من كلام الله وما الذى أدخلوه فيها ممَّا افتروه على الله من أهوائهم وشهواتهم .

– كما أنَّ القرآن فيه آخر التشريعات التي إرتضاها رب العباد لعباده ، وهى بذلك ناسخةٌ لكل الشرائع المغايرة لها مما فى الكتب السابقة ، ولذلك قال تعالى مخاطباً رسوله :

” فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”.

– وقد بيَّن المفسرون أن مراد الله من قوله تعالى:” فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”

 هو أن يحكم رسول الله في أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه وإختار الحكم بينهم لا الإعراض عنهم – لأنَّ الله قد خيَّره في ذلك – أن يحكم فيهم بما أنزله الله من الأحكام في الكتاب الذى اُنزِلَ عليه وهو القرأن ، وفيه آخر ما ارتضاه الله من شرائع للبشر ، وحكم الله في القرآن سيكون هو حكم الله في كتبهم أيضاً إلَّا إذا حرَّفوه أو نسخه الله في شريعة الإسلام بحكم آخر خلافه ، وعندئذٍ سيحكم صلى الله عليه وسلم بما أُنزِله الله عليه فى القرآن , حتى وإن خالف الحكم المنسوخ في كتبهم.

 جاء فى تفسير الطبرى (10/382):

[قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنزله إليه ، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته.

يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين بما أُنزل إليك من كتابي وأحكامي في كل ما احتكموا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك.

يقول له: اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي.] أ.هـ من الطبرى

– فالقرآن هو آخر كتب الله التي أنزلها ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وهو المعنى بالكتاب المذكور في دعاء إبراهيم عليه السلام الذى جاء في قوله تعالى: ” رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ (129)” البقرة ، ذكر ذلك ابن جرير الطبرى في تفسيره لتلك الأية (3/86) فقال:

[ قال أبو جعفر: ويعني ب”الكتاب”: القرآن.]أ.هـ من الطبرى

– كما أنَّ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية و الفعلية هي المعنية في قوله تعالى: “وَالْحِكْمَةَ ” في نفس دعوة إبراهيم عليه السلام السابقة ، ذكره الطبرى أيضاً في تفسيره (3/86-87) فقال:

[ ثم اختلف أهل التأويل في معنى”الحكمة” التي ذكرها الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هي السنة.]أ.هـ

– فسنة رسول الله القولية والفعلية وما فيها من أحكام هي وحىٌ من الله لرسوله مثل القرآن أيضاً ، غير أنَّها ليست من كلام الله عزَّ وجل بل من كلام رسوله.

– وفى التمهيد لما في الموطأ من المعانى والأسانيد لابن عبد البر(1/149-150):

[وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبو عمر وعثمان بن كثير ابن دينار عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول:

عليكم بهذا القرءان فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه.) أ.هـ من التمهيد

– والخلاصة في ذلك:

– أنَّ القرآن والسنة هما شريعة الله المُنزَّلة على رسوله صلى الله عليه وسلم وهى الشريعة التى لا يكون الحكم في دين الله إلَّا بها ولا يكون التحاكم في دين الله إلَّا إليها.

ثانياً: الشخص المُتحاكم للشريعة من خلاله

 فلابد أن يكون ذلك الشخص ممَّن اهتدى بما أنزله الله فآمن به وهو عالمٌ بأحكامه سواء كان هذا الشخص:

(محكماً)

– ولَّاه كلا المتخاصمين الحكم عليهما (فيما دون الحدود ، وفى الحدود بشرط إقرار قاضي الإمام العام لفصل المحكِّم فيها ، لما قد يترتب على ذلك الفصل من حقوق و إلتزامات لأطراف أخرى غير اللذين من وليَّاه الحكم عليهما).

– وولاية المُحكَّم في الحكم على الخصمين تنعقد برضاهما معا واتفاقهما عليه وليس مجرد رضى أحد الخصمين أو سعيه لذلك ، وهذا هو ما يُعرف بالتحكيم الإختيارى وله شروطه وضوابطه وليس هذا موضع بحثها.

أو: (قاضياً)

 – ولَّاه إمام المسلمين ولاية القضاء العامة على كل من فى الدار أوفى دائرة بعينها ، فله بذلك ولاية الحكم على كل من بدائرة ولايته وفى كلِّ ما ولَّاه الإمام فيه ، ويبدأ عمله بمجرد رفع أىِّ من طرفى النزاع منازعة إليه ، ويكون مجرد رفعها إليه ملزماً له ولطرفى النزاع بالفصل فيها ، ولا يشترط في ذلك موافقة كُلَّاً من طرفى النزاع على ذلك بعد وصول المنازعة إليه من أحدهما ، ولهذا سُمِّى بالقضاء العام الإجبارى .

أو: (عالماً من علماء المسلمين)

– رُفِعَت إليه منازعه فى مسألة شرعية أو استجدت واقعة وطُلِبِ منه حكم الله فيها ، وما يقوم به هو إيقاع حكم الله المُنزَّل على تلك الواقعة ، وهذا هو ما يعرف بالفتوى.

– والخلاصة من كل ما سبق ذكره أنَّ الكيفية المشروعة للتحاكم فى دين الله هى:

 ردُّ كل منازعة أو واقعة سواء كانت في أمرٍ من أمور الدين أو أمر من أمور الدنيا إلى تلك الشريعة المنزلة ، ومن خلال من يلى أمر ذلك ممن له العلم والقدرة على ذلك من المؤمنين طلباً لحكم الله فيها.

– فإن قال قائل:

 فإذا كان هناك إشتراطٌ من الله عزَّ وجلَّ بأن يكون الردُّ من خلال أولى الأمر من المؤمنين وفقط ، فما هو قولك إذن فيما أورده أكثر المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى :”فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(59)” من أن مراد الله من قوله: ” فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” بأن يُردُّ النزاع إلى الله أي إلى ما أمر به من وحى، وإلى الرسول أي إلى أمر الرسول فيما يخبر به عن الوحى، و أجمعوا بذلك على أنَّه بعد انقطاع الوحى يكون الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله ، وعلى ذلك تكون الكيفية المشروعة للتحاكم هي مجرد الرد إليهما ليس إلَّا ، فمن أين أتيت بالشرطين اللذين تكلمت عنهما فى شق من ا له الحق فى الرد إليهما؟!! ، فقلت أنَّهُ لابد أن يكون من المؤمنين أولاً وممن له العلم بأحكام الله المنزَّلة في كتابه ثانياً ؟

– والجواب على ذلك:

 صحيح أن الردعند النزاع يكون لما في كتاب الله وسنة رسول الله من أحكام منزَّله ، ولكن هذا يخص الشريعة المُتحاكم إليها فقط ، والأية التي تستدل بها هى نفسها قد تناولت أيضاً ذلك الشق الخاص بمن له الحق في أن يحكم بتلك الشريعة ولكنك تتغافل عنه أو ربما لا يظهر لك ، وسأذكر لك بيان شافياً في ذلك بإذن الله:

1- أنَّ التحاكم المشروع لو كان هو مجرد التحاكم إلى الشريعة المنزلة فحسب حتى وإن كان ذلك من خلال الكافرين و المشركين ، لما قال تعالى ” فَرُدُّوهُ” ، فالهاء في قوله فردُّوه عائدة على المؤمنين الذين أراد الله تكليف أولى الأمر منهم بذلك الرد ولذلك كان تخصيص الخطاب لهم منذ البداية بقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ” ، فقال:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” (59) .

– فكما أن قوله تعالى:” أَطِيعُوا اللَّهَ “عائداً عليهم وقوله تعالى:” وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ” عائداً عليهم أيضاً ، فكذلك قوله تعالى:” فَرُدُّوهُ” لابد أن يكون عائداً كذلك عليهم وأنَّهم هم المعنيُّون به سواء كان المعنيُّون منهم جميعهم أم خآصتهم ، وهذا يعرفه كل من له أدنى معرفه بلغة العرب والتي يجب أن يفهم القرآن من خلالها فقد أُنزِلَ بلسانٍ عربى مبين ، وأنت أهملت هذا كله في كلامك فسويت بين قول الله عزَّ وجل ” فَرُدُّوهُ ” وبين أن يقول سبحانه إن شاء (فليُردُّ) هكذا مبنياً للمجهول!

– وعلى ذلك أجزت أن يكون رد الأمر عند النزاع لغير المؤمنين , واشترطت ما رأيته بهواك أنَّه الشرط الوحيد في ذلك الرد وهو الشق الخاص الشريعة المتحاكم إليها فقط ، فقلت : نعم يجوز التحاكم إليهم إذا إدَّعوا أنَّهم سيحكمون بشرع الله!!

– وإذا لم يكن في ذلك الدليل الثابت القطعى الدلالة الكفاية لحسم المسألة عندك ، بالرغم من أنَّ دليلاً واحداً قطعياً في أي مسألة يكون كافياً لحسمها ، فإنِّنى أزيدك أدلة أخرى:

ثانياً : قوله تعالى: ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)” النساء

– فتجد أنَّ الله عزَّ وجل فى الأيات من الأية (59) إلى الأية (61) من سورة النساء ، بعد أن بيَّن لنا فى الأية (59) الكيفية المشروعة فى التحاكم ، وأنَّ ذلك لا يكون إلَّا برد كل نزاع دينىٍّ أو دنيوىِّ إلى كتاب الله وسنة رسول الله ومن خلال من يلى أمر ذلك من المؤمنين وذلك بقوله تعالى:” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (59)”

– ذكر بعدها مخالفة من خالفوا في ذلك من المنافقين ومن أهل الكتاب مستنكراً مخالفتهم وحاكماً عليهم بنقض إيمانهم وذلك بقوله:” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)”

– ثم عقَّب على تلك المخالفة بكلامٍ ساقه على لسان المؤمنين الذين اطلعوا على مخالفة المخالفين وأورد فيه مرةً أخرى بياناً واضحاً للكيفية المشروعة للتحاكم التي ذكرها من قبل ، فقال تعالى مخاطباً هؤلاء المخالفين على لسان المؤمنين:” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)”.

– ففى ذلك البيان تجد أنَّ المؤمنين قد خاطبوهم قائلين لهم :

هلموا إلى شريعة الله المُنزَّلة كتاباً وسنةً , وذلك هو قوله تعالى:” تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ” ، وخاطبوهم قائلين لهم أيضاً : وهلموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كحاكمٍ بتلك الشريعة , وذلك هو قوله تعالى :” وَإِلَى الرَّسُولِ”.

– فكان الخطاب للمخالفين بكلا الأمرين يمثِّلُ مرةً أخرى الكيفية المشروعة للتحاكم في دين الله ، وقد خاطبوهم بها لأنَّها الوسيلة الوحيدة لتوبتهم إذا أردوا التوبة فخاطبوهم بالرجوع إلى تلك الكيفية المشروعة بعد مخالفتهم إيَّاها وذلك بتحاكمهم إلى الطاغوت.

– وهذا الفهم من الأيات ليس فهماً خاصاً منَّا بل هو ما ذهب إليه أئمة التفسير المعتبرين:

جاء في تفسير الطبرى (8/513):

[ “وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله”، يعني بذلك:”وإذا قيل لهم تعالوا”، هلُمُّوا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا “رأيت المنافقين يصدون عنك”، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم “صدودًا”.]أ.هـ من تفسير الطبرى

– وجاء في لباب التأويل في معانى التنزيل للخازن (2/123):

[“وإذا قيل لهم” يعني للمنافقين” تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول” يعني هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه وإلى الرسول ليحكم بينكم به ، “رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً” , يعني يعرضون عنك وعن حكمك أي إعراضاً وإنما أعرض المنافقون عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم علموا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم بينهم بالحق الصريح ولا يقبل الرشا.]أ.هـ من لباب التأويل في معانى التنزيل

– فإن قال قائلٌ:

 ولكن الله تعالى عندما تكلَّم عن كيفية التحاكم المشروعة قال في الأية (59) من سورة النساء: “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” ، وقال في الأية (61) من نفس السورة : “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ”

فمن قوله تعالى فى الأية الأولى : “إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” ومن قوله تعالى فى الأية الثانية:” إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ”، يتَّضحُ أن الله عزَّ وجلَّ قد أراد بذلك قصر تلك الكيفية المشروعة للتحاكم على أن يتحاكم المؤمنون إلى شريعته المُنزَّلة فحسب دون أي إشتراط منه سبحانه لعقيدة من سيحكم به ولا لعلمه فمن أين أتيت أنت بهذين الشرطين ؟

 والجواب:

– هذا فهم خاطئ منك للنصوص ، ذلك لأنَّ الأية الأولى لم تكتف بتناول شريعة الله المنزلة المتحاكم إليها فحسب عند قوله تعالى : “إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ” , ولكنها تناولت دين الشخص الذى له الحق في الحكم بها وذلك من خلال قوله تعالى:” فَرُدُّوهُ” وكما سبق أن بيَّنت لك أن الأمر في قوله تعالى: ” فَرُدُّوهُ” خاص بمن يلى أمر ذلك من المؤمنين وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته.

– كما أنَّ الأية الثانية لم تكتف كذلكً بتناول شريعة الله المنزلة المتحاكم إليها فحسب وذلك عند قوله تعالى:”تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ” حيث ما أنزله الله هنا يشمل شريعة الله المُنزَّلة في كتابه وسنة رسوله القولية والفعلية ، بل تناولت أيضاً دين الشخص الذى له الحق في الحكم بها وكان ذلك من خلال قوله تعالى:”وَإِلَى الرَّسُولِ”، والذى كان يمثل مادام حيَّاً من تولَّى أمرالمؤمنين في ذلك ، ثم خلفه بعد مماته أولياء أمور المؤمنين من الأئمة وقضاتهم وعلماؤهم.

– فاشملت بذلك الأيتين اللتين ذكرتهما على كلا الشرطين اللازم تحققهما فيمن يُطلب حكم الله منه ، وهذا في غاية الوضوح والحمد لله.

– ومما يزيد ذلك الأمر بياناً أنَّ المخاطبين في الأية الثانية بقوله تعالى :”وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا” كانوا هم المنافقين الذين خالفوا في الكيفية المشروعة للتحاكم برد نزاعهم إلى الطاغوت وحكم الله عليهم بسبب تلك المخالفة بكفرهم ونقض إيمانهم ، فلا يصح في شأنهم أن يكونوا من المؤمنين الذين يشملهم الخطاب برد نزاعهم إلى شريعة الله المنزلة في قوله تعالى : ” فَرُدُّوهُ” ، بل المناسب لهم وكما ذكره تعالى أن يُقال لهم: “تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ” أي هلمُّوا إلى شرع الله المنزل قرآناً وسنة ، “وَإِلَى الرَّسُولِ ” أي هلموا ليُحكم لكم الرسول بذلك الشرع ، لا لتحكموا به أنتم به على أنفسكم بعد أن صرتم كفَّاراً بتحاكمكم إلى الطَّاغوت ، فساق الله تبارك وتعالى لهم ذلك على لسان المؤمنين ليبيَّن لهم الكيفية المشروعة في التحاكم والتي خالفوها من قبل ، والتى إن أرادوا التوبة ليس أمامهم إلَّا أن يرجعوا إليها وذلك بقوله : “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ”.

– وفى تلك الكيفية يكون : مجيئهم إلى ما أنزل الله معلومٌ وهو مجيئهم إلى شريعة الله المنزلة في كتابه وسنة نبيه القولية والفعلية ، أمَّا مجيئهم إلى رسوله فلا يكون في هذا الموضع إلَّا كحاكم عليهم بما أنزله الله.

– وهكذا تجد أن ما ذكرته لك من أنَّ الكيفية المشروعة للتحاكم وهى أن يَحْكُم بما أنزل الله من يلى أمر ذلك من المؤمنين العالمين بأحكام الله ، قد ورد تصريحا في الأيتين السابقتين ، في الأولى عندما قال تعالى:”فَرُدُّوهُ” قاصدا بذلك عزَّ وجلَّ من يلى أمر ذلك من المؤمنين ، وفى الثانية عندما قال تعالى:”وَإِلَى الرَّسُولِ”، قاصدا بذلك رسوله والذى يُمَثِّلُ في حياته من يلى أمر ذلك من المؤمنين ، و كلاهما يُعدُّ دليلاً واضحاً على أن أنَّ الحكم بما أنزله الله يمتنع أن يكون من غير المؤمنين , وهذا بيِّن.

ثالثاً: قوله تعالى:” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)” النساء

– وفى هذه الأية تجد أنَّ الله عزَّ وجل قد ذكر تحكيم رسوله كلفظٍ جامعٍ شاملٍ للكيفية المشروعة في التحاكم:

– فمعلومٌ أنَّ مجرد تحكيم رسوله يعنى الحكم بشريعة الله المنزلة لأنَّه يمتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله ، كما أنَّ تحكيمه يعنى فى نفس الوقت تحكيم أوَّلُ من اهتدى بتلك الشريعة وأعلم الناس بأحكامها وعلى ذلك يتحقق بمجرد تحكيمه الشرطين الذى اشترطهما عزَّ وجلَّ فيمن سيحكم بتلك الشريعة .

– وهكذا تجد أن الأية السابقة تُعدُّ دليلاً واضحاً أيضاً على شقى الكيفية المشروعة للتحاكم في دين الله وهما الشريعة المُتحاكمُ إليها والشخص الذى له الحق في الحكم بها ، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

– فلا تتعجب أنَّ الأية قضت بنفى الإيمان عمَّن خالف في ذلك فرغب عن تلك الكيفية المشروعة عند الشجار وهو أقل النزاع ، فجعلت من تلك الكيفية بشقيها وهما هنا طلب حكم الله المنزل ومن خلال رسوله شرطا لإيمان من آمن في وقتها عندما كان الرسول حياً بين ظهرانيهم , ونفت الإيمان عن كل من يخالف في ذلك منهم , ولذلك قلنا أنَّ من يخالف الآن فى أىِّ من شقى الكيفية المشروعة للتحاكم ليس بمؤمنٍ بل هو كافر.

– فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ينتفى الإيمان أيضاً عن كل من يخالف فى ذلك فيرغب عن طلب حكم الله المنزل في كتابة وسنة نبية أو يرغب أن يكون ذلك من خلال أولى الأمر من المؤمنين سواء كان حاكماً أو قاضياً أو عالماً.

 جاء في تفسير الطبرى(8/518):

[قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:”فلا” فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال:”وربك”، يا محمد =”لا يؤمنون”، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك =”حتى يحكموك فيما شجر بينهم”، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه.]أ.هـ من الطبرى

وفى تفسير الألوسى(4/114):

[“حتى يُحَكّمُوكَ” أي يجعلوك حكماً أو حاكماً ، وقال شيخ الإسلام : «يتحاكموا إليك ويترافعوا ، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه وسلم حاكم بأمر الله إيذاناً بأن اللائق بهم أن يجعلوه عليه الصلاة والسلام حكماً فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكماً على الإطلاق».]أ.هـ من الألوسى

وفى فتح القدير للشوكانى(2/169):

[ “وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً” أي : ينقادوا لأمرك ، وقضائك انقياداً لا يخالفونه في شيء. قال الزجاج : “تَسْلِيماً” مصدر مؤكد ، أي : ويسلمون لحكمك تسليماً لا يدخلون على أنفسهم شكاً ، ولا شبهة فيه.

والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم ، كما يؤيد ذلك قوله : “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله” فلا يختص بالمقصودين بقوله : “يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت” وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم.

 وأما بعد موته ، فتحكيم الكتاب والسنة ، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة ، أو في أحدهما . وكان يعقل ما يردّ عليه من حجج الكتاب والسنة ، بأن يكون عالماً باللغة العربية ، وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان عارفاً بما يحتاج إليه من علم الأصول ، بصيراً بالسنة المطهرة ، مميزاً بين الصحيح وما يلحق به ، والضعيف وما يلحق به ، منصفاً غير متعصب لمذهب من المذاهب ، ولا لنحلة من النحل ، ورعاً لا يحيف ، ولا يميل في حكمه ، فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوّة ، مترجم عنها ، حاكم بأحكامها .

وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود ، وترجف له الأفئدة ، فإنه أوّلاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون ، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله ، حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم

ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال :” ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ” فضم إلى التحكيم أمراً آخر ، وهو عدم وجود حرج ، أي : حرج في صدورهم ، فلا يكون مجرد التحكيم ، والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضاً واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس

ثم لم يكتف بهذا كله ، بل ضمّ إليه قوله : “وَيُسَلّمُواْ” أي : يذعنوا ، وينقادوا ظاهراً وباطناً ، ثم لم يكتف بذلك ، بل ضم إليه المصدر المؤكد ، فقال : ” تَسْلِيماً” فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ، ولا يجد الحرج في صدره بما قضي عليه ، ويسلم لحكم الله وشرعه ، تسليماً لا يخالطه ردّ ، ولا تشوبه مخالفة.]أ.هـ من فتح القدير.

رابعاً: قوله تعالى:”وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) النور

– وهذه الأية أيضاً من الأيات التي ذكر فيها تبارك وتعالى الكيفية المشروعة للتحاكم بوضوح ، تلك الكيفية التي دعا فيها المؤمنون المنافقين إلى ما أنزله الله من شريعة كتاباً وسنه ليتحاكموا إليها وإلى